
في شوارع جدة هذه الأيام، لم تعد “البسطة” مجرد طاولة صغيرة يضع عليها صاحبها شيئًا من الطعام أو بعض السلع البسيطة طلبًا للرزق. لقد تطوّر المشهد – على ما يبدو – حتى صار أقرب إلى عرض أزياء مفتوح، أو مهرجان اجتماعي غير معلن، تتنافس فيه السيارات الفارهة قبل أن تتنافس السلع المعروضة على الطاولات.
فمن يمر ببعض الشوارع، خصوصًا في أوقات المساء، قد يظن أنه دخل إلى فعالية من فعاليات “الفشن شو”، لا إلى مكان يفترض أنه متنفسٌ بسيط لمن ضاقت بهم سبل الرزق. سيارات تقف في صفوف أنيقة، وأضواء تلمع، ووجوه مكتملة “فل ميكاب”، وكأن البسطة تحولت من وسيلة كسبٍ بسيط إلى منصة استعراض اجتماعي.
السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن: لمن هذه البسطات أصلًا؟
في الأصل، كانت البسطة حكاية بسيطة من حكايات الكفاح؛ مشروعًا صغيرًا يفتح باب الرزق لأرملة، أو لشاب يبحث عن بداية، أو لأسرة محدودة الدخل تحاول أن تعيش بكرامة بعيدًا عن السؤال. لكن ما نراه اليوم في بعض المواقع يدفع للتساؤل: هل ما زالت البسطات كما كانت؟ أم أنها تحولت إلى نشاط جانبي لبعض من لا يحتاجها أصلًا، حتى باتت مزاحمة للمحتاجين بدل أن تكون بابًا لهم؟
فحين ترى سيارات حديثة تقف خلف بسطة صغيرة، وأصحابها يديرونها بقدر من “البرستيج الاجتماعي”، فإنك تدرك أن المشهد تغيّر، وأن البسطة – التي كانت يومًا عنوانًا للرزق البسيط – أصبحت في بعض الحالات وسيلة للظهور أكثر من كونها وسيلة للعيش.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: أين دور الرقابة؟
فالبلديات – مشكورة – تسعى إلى تنظيم الأسواق والأنشطة المؤقتة، بل وتمنح تصاريح تهدف في الأساس إلى دعم صغار البائعين وفتح فرص اقتصادية محدودة للمحتاجين. غير أن المشكلة لا تكمن في فكرة التنظيم نفسها، بل في من يستفيد من هذه التصاريح فعليًا.
فإذا كانت التصاريح تُمنح لتسهيل رزق الأسر المحتاجة، فمن الطبيعي أن تُطرح الأسئلة حين يتحول المشهد إلى ازدحام بسطات لا نعرف: هل هي مشاريع دعم اجتماعي أم نشاط استثماري .. ام استعراض عابر؟
إن التنظيم الحقيقي لا يقتصر على منح التصريح، بل يمتد إلى متابعة المستفيدين والتحقق من أحقيتهم. ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة لأن تعمل البلديات على تشكيل لجان ميدانية للتحري عن المتقدمين لهذه التصاريح، للتأكد من أن هذه الفرص تصل إلى الأسر المحتاجة والشباب الباحثين عن مصدر رزق، لا إلى من يملك بدائل أخرى كثيرة.
ومن الطرائف التي لا يمكن تجاهلها في هذا المشهد أن بعض البسطات أصبحت أقرب إلى جلسات تصوير غير معلنة؛ سيارات فارهة مصطفة، وعطور تفوح في المكان، وابتسامات مصقولة بالكاميرات والعدسات. وكأن البسطة تحولت إلى مسرح اجتماعي صغير يلتقي فيه الاستعراض بالبيع، وتختلط فيه التجارة بالظهور.
بل إن بعض المارة قد يتساءل – مازحًا –:هل نحن أمام سوق شعبي… أم كواليس تصوير إعلان تجاري؟
ولا بأس بالطبع أن يكون المكان مرتبًا وجميلًا، فالجمال قيمة إنسانية مطلوبة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الهدف من البيع إلى الاستعراض، ومن الكسب إلى الظهور.
والأغرب من ذلك أن بعض من يقف خلف هذه البسطات – بحسب ما يتداول الناس – هم من عوائل ميسورة ومعروفة، لا يبدو عليهم أنهم في حاجة فعلية إلى هذا النشاط. وهنا تكمن المفارقة؛ فالمساحة التي كان يفترض أن تكون طوق نجاة لأسرة محتاجة قد تصبح مجرد تجربة اجتماعية عابرة لدى من لا يحتاجها أصلًا.
وليس في العمل عيب، بل إن كل عمل شريف محل احترام. لكن حين تضيق الفرص المحدودة أصلًا، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لمن لا يملك غيرها.
في النهاية، لا أحد يعترض على البسطات بوصفها نشاطًا اقتصاديًا بسيطًا، بل إن كثيرين يرون فيهفرصة جميلة لدعم العمل الحر وتشجيع المبادرات الصغيرة. لكن الرسالة الأهم تبقى واضحة:
اتركوا البسطات للمحتاجين.
اتركوها للأرامل، وللشباب الباحثين عن بداية، وللأسر التي تحاول أن تعيش بكرامة. فليس كل مشروع صغير بحاجة إلى من يزاحمه، وليس كل فرصة بسيطة تحتمل هذا القدر من الاستعراض.
همزة وصل:
جدة… المدينة التي اعتادت أن تكون مدينة البحر والبساطة والروح الجميلة، فربما يكفيها أن تبقى كما عرفناها دائمًا:
مدينة الحياة… لا مدينة عروض الأزياء على الأرصفة.






