✍️ جمعان البشيري
في لحظةٍ لا تُقاس بالزمن، بل تُقاس بما ينكسر في الداخل، أُغلق بابٌ من أبواب السماء كان مفتوحًا بدعوة أم، وبابتسامة رضا، وبقلبٍ لا يعرف إلا العطاء. رحلت أمي… فصار الصمت أعلى صوتٍ في حياتي، وصارت الذاكرة وطنًا ألوذ به كلما ضاقت بي الأرض.
لم تعد للحياة ذات المعنى الذي كانت تكتبه بوجودها، فقد كانت – رحمها الله – الحضور الذي لا يُعوّض، والطمأنينة التي لا تُشترى، واليقين الذي لا تهزّه العواصف. كانت إذا حضرت، حضر كل شيء، وإذا غابت… غاب كل شيء.
أمي التي امتد بها العمر أربعةً وتسعين عامًا، لم تكن مجرد رقمٍ في سجل الحياة، بل كانت قصة كفاحٍ تُروى، وسيرة صبرٍ تُكتب بماء القلب. بعد رحيل والدي – رحمهما الله – حملت وحدها مسؤولية ستة أبناء: ولدين وأربع بنات، لم تكن الأم فقط، بل كانت الأب والسند، والظل الذي لا يميل مهما اشتدت شمس الحياة.
لم أعرف في حياتي نورًا يشبه نورها، كانت هي الضوء الذي يسبقني إلى البيت، والدفء الذي ينتظرني على عتبة التعب، كانت إذا نظرتُ في عينيها شعرت أن الدنيا بخير، وأن كل ما يمكن أن يُكسر… يمكن أن يُجبر.
كانت تحرم نفسها من كل شيء… لتمنحنا كل شيء. تُخفي وجعها خلف ابتسامة، وتؤجل حاجاتها لتقدّم حاجاتنا، وتختار لنا الطريق حتى وإن تعثرت هي في السير. لم تكن تعيش لنفسها، بل كانت تعيش فينا… ومن أجلنا.
رحلت أمي العظيمة… ولم يرحل أثرها. تركت فينا ما لا تمحوه الأيام: دعاءها، وصبرها، ورضاها، وتلك اليد التي كانت تمسح على رؤوسنا وكأنها تمسح عنّا هموم الدنيا. اليوم، أبحث عنها في كل زاوية، في تفاصيل البيت، في صوت المطبخ، في رائحة القهوة، في كل شيء… فلا أجد إلا غيابًا يشبه الحزن، وحزنًا يشبهها.
يا أمي… كيف يُختصر العمر بعدك؟
وكيف يُكتب الصبر دون أن تكوني أول سطوره؟
وكيف أُغلق باب السماء… وقد كنتِ أنتِ مفتاحه؟
إنها لحظة الفقد التي لا تُعلّمنا البكاء فقط، بل تُعلّمنا أن بعض الأرواح لا تُعوّض، وأن الأم ليست مرحلة في الحياة، بل هي الحياة كلها.
اللهم ارحم أمي رحمةً واسعة، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، واجمعني بها في مستقر رحمتك، حيث لا فراق بعده، ولا حزن.
همزة وصل :
رحمكِ الله يا أمي… فقد كنتِ الحياة، وما بعدك إلا صدى الحنين.






