منذ وعد بلفور المشؤوم، وفلسطين ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي، وبمرور السنين تتابعت المحاولات لإخراج الإسرائيليين من الأراضي المغتصبة. إلا أن تلك المحاولات لم يحالفها النجاح، بل أسهمت في تمدد النفوذ الإسرائيلي في مناطق عربية عدة، من الضفة الغربية إلى مصر وسوريا ولبنان، باستثناء حرب 1973 التي استعادت فيها مصر قناة السويس.
وجاءت المحاولة الثانية التي وُصفت بالناجحة من المقاومة اللبنانية المتمثلة في “حزب الله”، حيث تم تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000م.
وقد لقي هذا الانتصار العسكري دعمًا واسعًا على المستويين الداخلي والخارجي؛ إذ حظي الحزب بتأييد كبير داخل لبنان، كما حظي بدعم الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها دول الخليج العربي. وتناولت وسائل الإعلام هذا الانتصار بإيجابية لافتة، كما أسهمت العديد من الدول العربية في دعم إعادة إعمار المناطق المتضررة في الجنوب، مما عزز مكانة الحزب داخل المشهد السياسي اللبناني، وجعله طرفًا مؤثرًا في قضايا السيادة والدفاع.
وبعد استقرار الأوضاع وإعادة الإعمار، استمر الدعم السياسي والعسكري من إيران وسوريا، حتى بعد خروج الاحتلال، فيما عُرف لاحقًا بمحور “المقاومة”. ومع استمرار هذا الدعم، برز جدل متزايد حول تسليح الحزب خارج إطار الدولة، حيث رأى البعض أن ذلك قد يعقّد المشهدين الأمني والسياسي في لبنان.
وهذا ما حدث بالفعل؛ فبالرغم من أن الدستور اللبناني ينص على أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة باحتكار السلاح واستخدام القوة العسكرية داخل أراضيها، فإن حزب الله أصبح يمتلك ترسانة عسكرية تفوق إمكانات الجيش اللبناني، وبات قرار الحرب والسلم في يده، خارج سلطة الدولة. وقد أدى ذلك إلى انقسام سياسي حاد بين مؤيد للمقاومة ومعارض لها، ما تسبب في شلل مؤسسات الدولة وتصاعد الخلافات السياسية.
وسعت عدة دول عربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إلى معالجة هذا الوضع، مستندة إلى دورها في رعاية اتفاق الطائف الذي أسهم في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية. إلا أن التأثير الإيراني على الحزب، بحكم الارتباط الأيديولوجي، ظل أقوى، رغم المبادرات الداعمة لتقوية الجيش اللبناني وتمكينه من حماية البلاد.
ومع مرور الوقت، توسعت أنشطة الحزب، وأصبح يُنظر إليه كقوة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، منخرطة في سياسات إقليمية تتجاوز الدولة اللبنانية، من خلال دعم جماعات مسلحة في بعض الدول، مثل العراق واليمن، بهدف توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة، إلى جانب اتهامات بالانخراط في أنشطة غير مشروعة كتهريب المخدرات.
وجاء التحول الأبرز مع تدخل الحزب في الأزمة السورية، حيث دعم نظام بشار الأسد، في صراع أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وتشريد الملايين. وكان من الممكن – وفق رؤية الكاتب – أن يلعب الحزب دور الوسيط لاحتواء الأزمة، استنادًا إلى قوله تعالى:
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}،
إلا أنه اختار الاصطفاف في الصراع، مما أثار صدمة واسعة في العالم العربي والإسلامي.
وقد أثار هذا التحول تساؤلات عميقة حول تغيّر بوصلة الحزب؛ فبعد أن كان رمزًا للمقاومة ضد الاحتلال، أصبح طرفًا في صراعات إقليمية، أسهمت – بحسب الطرح – في زعزعة استقرار عدد من الدول العربية.
وهنا يستحضر الكاتب صورة بليغة من القرآن الكريم، تشبّه هذا التحول بحال المرأة التي تنقض غزلها بعد إحكامه، حيث يقول تعالى:
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا…}،
في إشارة إلى ضياع ما تحقق من إنجازات بسبب سوء التوجه.
فالبداية التي حظي فيها الحزب بإجماع ودعم، انتهت – وفق هذا التصور – إلى تراجع كبير، تمثل في خسائر بشرية ومادية، وتشريد واسع، وتضرر مناطق لبنانية عدة، إلى جانب انعكاسات سلبية على بقية مكونات المجتمع اللبناني.
ويختم الكاتب بتساؤل مفتوح:
هل يعي الحزب مسار ما هو مقبل عليه؟ وهل يمكنه مراجعة توجهاته؟
مؤكدًا أن نصر المؤمنين حقٌ وعد الله به عباده، كما قال تعالى:
{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}،
ولكن لكل أجلٍ كتاب.



