
لم يكن الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي مجرد اسم في مرحلة سياسية عابرة، بل كان واحدًا من أكثر الشخصيات اليمنية ارتباطًا بلحظات الانعطاف الحادة في تاريخ اليمن الحديث؛ لحظة انتقال السلطة، ولحظة الانقلاب، ولحظة الحرب، ثم لحظة تسليم الصلاحيات حين أدرك أن بقاء الدولة أهم من بقاء الأفراد.
جاء هادي إلى رئاسة اليمن في عام 2012 وسط بلد مثقل بالانقسام، ومؤسسات تبحث عن توازنها بعد سنوات طويلة من الاحتقان. لم تكن مهمته سهلة، ولم يكن الطريق مفروشًا بالتوافق، لكنه اختار أن يتحمل مسؤولية مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، وأن يبقى في موقع الدولة لا في موقع الجماعة أو الثأر أو الحسابات الضيقة.
وعندما انقلبت مليشيا الحوثي على الشرعية في 2014، وانهارت أمامها مؤسسات كثيرة، وجد هادي نفسه أمام اختبار لا يحتمل المساومة: إما التسليم بمشروع المليشيا، وإما التمسك بالجمهورية مهما كانت الكلفة. فاختار أن يبقى في صف الدولة اليمنية، مدافعًا عن شرعيتها ووحدتها وهويتها العربية.
كانت لحظة خروجه من الإقامة الجبرية في صنعاء عام 2015 ووصوله إلى عدن أكثر من حدث سياسي؛ كانت إعلانًا بأن اليمن لم يسقط، وأن الجمهورية ما زالت تملك صوتًا وموقفًا وشرعية. ومن عدن بدأ فصل جديد في مواجهة الانقلاب، حين وجّه نداءه إلى الدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية للتدخل دعماً للشرعية، بعدما تمددت المليشيا وهددت بإسقاط ما تبقى من الدولة.
لم يكن طلبه لتحالف دعم الشرعية بحثًا عن حرب، ولا تمسكًا بكرسي، بل كان في نظر أنصاره محاولة لإنقاذ اليمن من السقوط الكامل في يد مشروع مسلح عابر لفكرة الدولة. فقد كان يدرك أن انهيار الشرعية لا يعني سقوط حكومة فقط، بل سقوط هوية وطنية كاملة، وتحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة للفوضى والنفوذ الخارجي.
ظل هادي، رغم العواصف، متمسكًا بخيار الجمهورية، رافضًا منح الانقلاب أي غطاء سياسي أو شرعية شكلية. وقد واجه خلال سنوات حكمه الحرب، والتشظي، والخذلان، وتضارب المصالح، لكنه بقي منحازًا لفكرة الدولة، لا لفكرة السلطة المجردة.
وفي عام 2022، جاءت لحظة تسليم الصلاحيات وإنشاء مجلس القيادة الرئاسي لتكشف جانبًا آخر من شخصية هادي. فقد غادر السلطة عبر انتقال سياسي معلن، لا بانقلاب ولا بصفقة شخصية، واضعًا مصلحة اليمن فوق الاعتبار الفردي، ومؤكدًا أن الأوطان أكبر من المناصب، وأن معركة استعادة الدولة لا ينبغي أن تتحول إلى معركة كراسٍ.
استند قراره إلى دستور الجمهورية اليمنية، ومبادئ الثورة اليمنية، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وروح الحوار الوطني، في محاولة لإعادة ترتيب الصف الشرعي، وتوسيع الشراكة، وفتح نافذة جديدة أمام اليمنيين للخروج من دوامة الحرب والانقسام.
برحيل عبدربه منصور هادي فجر اليوم الخميس ، لا يغيب مجرد رئيس سابق، بل تغيب شخصية ارتبط اسمها بأصعب مراحل اليمن: مرحلة الدفاع عن الشرعية، ورفض سلطة المليشيا، والتمسك بعروبة اليمن ووحدته، ثم تسليم السلطة حين بدا أن الوطن يحتاج إلى صيغة جديدة تجمع أبناءه.
سيبقى هادي في الذاكرة اليمنية رجلًا وقف في لحظة الانهيار إلى جانب الجمهورية، ورفض أن يبيع اليمن للمشروع الحوثي، وغادر السلطة وهو يؤمن أن بقاء الدولة أهم من بقاء الرئيس، وأن اليمن، بكل جراحه، يستحق فرصة جديدة للحياة والاستقرار واستعادة هويته العربية.
وسيظل اسمه مرتبطًا بتلك اللحظة الفاصلة التي واجه فيها مشروع الانقلاب، ليس بخطابات الحماس، بل بتمسكه بشرعية الدولة ومؤسساتها، وإصراره على أن اليمن لا يمكن أن يُدار بقوة السلاح ولا بمنطق المليشيات.
رحل عبدربه منصور هادي، لكن السنوات التي عاشها اليمن تحت النار ستبقى شاهدة على رجل وجد نفسه في قلب واحدة من أعقد الأزمات العربية، فاختار أن يقف مع الدولة، وأن يتحملعبء المرحلة حتى لحظة تسليم الراية، مؤمنًا بأن اليمن سيبقى أكبر من الحرب، وأكبر منالانقلاب، وأكبر من مشاريع التمزق التي حاولت أن تنتزع منه هويته وتاريخه وموقعه العربي.
ولهذا سيبقى رحيله بالنسبة لكثير من اليمنيين نهاية فصل ثقيل من تاريخ اليمن الحديث،وفقدانًا لرجل ارتبط اسمه بمعركة الدفاع عن الجمهورية، وبواحدة من أكثر اللحظاتالمصيرية التي واجهها اليمن في تاريخه .






