المقالات

مكة.. روح الحضارة وعبق القداسة

في عامه الأخير خرج شاعر اليمن عبدالرحيم البرعي حاجًّا، فلما قارب مكة، هبَّ عليه النسيم رطبًا عليلًا معطّرًا برائحة الأماكن المقدسة، فغلبه الشوق فأنشد:

يا راحلين إلى منى بقيادي *** هيّجتمُ يوم الرحيل فؤادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفا *** عند المقام سمعتُ صوت منادِ
ويقول لي: يا نائمًا جدِ السُّرى *** عرفات تجلو كل قلبٍ صادِ
من نال من عرفات نظرة ساعة *** نال السرور ونال كل مرادِ

تلك هي مكة في قلب كل مسلم؛ جنة روح، وشفاء قلب، وقرة عين، وسكينة جوارح. بلاد يسكنها شرف المكان، ويعتادها شرف الزمان، وبها وفيها ولها يشرف الإنسان.

على أن مكة ـ عمرها الله ـ لم تكن مدينة روحية فحسب، بل كانت كذلك مدينة عقل وحضارة؛ لم تكن مدينة للدين فقط، بل هي مدينة للدنيا أيضًا. ولئن كان تديين مكة واجبًا أصيلًا، فإن تمدينها واجب أكيد.

ولذلك شهدت هذه المدينة المقدسة، على مر تاريخها، حركة حضارية لا تخطئها العين. وحسبك أن تنظر إلى آثارها في المعمار الحجازي الذي شكّل أسلوبًا مميزًا في تاريخ العمارة الإنسانية. ولا يزال البيت المكي، بمقعده ومجلسه ورواشينه ومشربياته وخزانته ومؤخره ومبيته، بصمةً فريدة في التراث العمراني الإنساني.

وليس ذلك فحسب، بل شهدت مكة أول مشروع مائي في التاريخ، وهو عين زبيدة. ثم تتابعت الإنجازات، من مساجدها وآثارها ومبانيها، إلى حرمها الشريف وما فيه من آيات الفن القديمة والحديثة.

وإلى جانب العمران، شهدت مكة حركة علمية ثرية، وحيوية تجارية مشهودة، ودبلوماسية سياسية فريدة.

ما نريد قوله: إن مكة ليست عاصمة روح فحسب، بل هي عاصمة حضارة كذلك؛ ولذلك حق لها أن تكون من أجمل مدن العالم.

وها هي مكة المكرمة تنتفض لتكون عروسًا مجلوّة تسر الناظرين، تنظر بعينين طامحتين إلى غدٍ أجمل ومستقبلٍ أنضر، وذلك بفضل مشاريع إعمارها وتطويرها.

ونحن على يقين بأن هذه المشاريع ستمنح مكة حداثتها دون أن تسلبها عبقها، وستشكّل حاضرها دون أن تطمس ماضيها، وستعطيها بريق الحضارة دون أن تنتزع منها أصالة التراث.

فليدم لها عطاء قيادتها الرشيدة، التي جعلت مكة في القلب، ولم تبخل عليها بشيء.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى