في كتابه الشهير «القنفذ والثعلب» قدّم الفيلسوف أشعيا برلين Isaiah Berlin نموذجًا فكريًا بالغ العمق لتفسير أنماط التفكير في السياسة والتاريخ. فـ«القنفذ» هو ذلك العقل الذي يرى العالم من خلال فكرة كبرى واحدة، هدف مركزي يفسّر من خلاله كل الأحداث ويعيد إليها كل المسارات، بينما يتحرك «الثعلب» في فضاء أكثر تعقيدًا، حيث تتعدد الأسباب وتتقاطع المصالح وتتغير الأدوات بحسب اللحظة. وإذا كان برلين قد صاغ هذا النموذج لفهم الفلسفة والتاريخ، فإن الشرق الأوسط اليوم يقدّم أوضح تجسيد سياسي له في ظل الحرب الإيرانية الإسرائيلية.
تتعامل إسرائيل مع هذه الحرب بعقلية أقرب إلى القنفذ؛ إذ تنظر إلى الصراع من خلال غاية استراتيجية واحدة: منع تشكّل قوة إيرانية قادرة على فرض ميزان ردع جديد في الإقليم. كل الأدوات العسكرية والسياسية تصب في هذا المسار المركزي، من استهداف البنية العسكرية إلى تقويض مصادر النفوذ الممتد عبر الإقليم. هذه المقاربة تمنح صانع القرار وضوحًا وحسمًا، لكنها في الوقت ذاته تفترض أن تعقيد المنطقة يمكن ضبطه من خلال هدف واحد كبير.
أما إيران، فعلى الرغم من خطابها الأيديولوجي الموحّد، فإن سلوكها العملي يبدو أقرب إلى نموذج الثعلب كما وصفه برلين. فهي لا تدير الحرب من جبهة واحدة، بل عبر شبكة متداخلة من الأدوات: الرد العسكري المباشر، توظيف عمقها الإقليمي، استخدام الضغط الاقتصادي غير المباشر، والاستفادة من حساسية أسواق الطاقة والممرات البحرية. هذا التعدد في الأدوات لا يمنحها فقط مرونة في إدارة الصراع، بل يجعل الحرب بالنسبة لها ساحة مفتوحة لإعادة توزيع الكلفة على الزمن والجغرافيا.
أثناء الحرب، يعاد تشكيل المنطقة على أكثر من مستوى. أول هذه المستويات هو مفهوم الأمن الإقليمي. لم يعد الأمن يعني فقط حماية الحدود والمجال الجوي، بل أصبح يشمل الموانئ، منشآت الطاقة، الكابلات البحرية، البنية الرقمية، والمدن الاقتصادية. الخليج العربي، بحكم موقعه في قلب معادلة الطاقة العالمية، سيكون الأكثر تأثرًا بهذا التحول، ما سيدفع دوله إلى إعادة بناء عقيدته الأمنية على أساس حماية الاقتصاد بوصفه جزءًا من الأمن القومي.
المستوى الثاني يتمثل في أن الحرب تكرّس منطقًا جديدًا للردع، لا يقوم على منع الضربة فقط، بل على إدارة سقف التصعيد. فكل طرف بات يدرك أن الحسم الكامل لم يعد خيارًا واقعيًا، وأن الهدف الحقيقي هو إبقاء المواجهة ضمن حدود تسمح بتحقيق مكاسب سياسية دون الانزلاق إلى انهيار شامل. وهذا يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من التوتر المنظم، حيث تتراجع فكرة الحرب التقليدية لصالح أزمات متقطعة وضغوط متعددة المستويات.
أما المستوى الثالث فهو إعادة رسم التحالفات. الحرب تدفع القوى الإقليمية إلى مراجعة تموضعها بعيدًا عن الاصطفافات الجامدة. سنشهد تحالفات أكثر مرونة، وشراكات تقوم على المصالح البراغماتية لا على الانتماءات الأيديولوجية. السعودية ودول الخليج وتركيا ومصر ستتجه إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، مع الموازنة بين الأمن، الاقتصاد، والطاقة، بما يضمن تقليل أثر أي انفجار مستقبلي.
بعد الحرب، يبرز السؤال الأهم: أي نموذج سيسود، القنفذ أم الثعلب؟ إذا انتصر منطق القنفذ، فستسعى الأطراف إلى فرض نظام ردع صلب يقوم على معادلات واضحة وخطوط حمراء صارمة. لكن خبرة الشرق الأوسط التاريخية تشير إلى أن المنطقة تميل بطبيعتها إلى منطق الثعلب: تعدد الفاعلين، تشابك المصالح، وصعوبة اختزال المشهد في تفسير واحد أو حل نهائي.
لذلك يبدو المستقبل السياسي للمنطقة أقرب إلى توازن هش طويل الأمد. لن يكون هناك سلام شامل بالمعنى التقليدي، كما أن الحرب المفتوحة ستظل مكلفة للجميع. ما سنراه على الأرجح هو شرق أوسط تُدار فيه الأزمات بدل أن تُحل، وتُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية بقدر الأدوات العسكرية. ستزداد أهمية مشاريع الممرات البديلة، وخطوط الطاقة الجديدة، والتحالفات الدفاعية متعددة الأطراف، في محاولة لصناعة استقرار نسبي داخل بيئة لا تتوقف عن إنتاج التوتر.
وفي هذا المشهد المضطرب، تبدو السعودية ودول الخليج أمام اختبار تاريخي لا يقل أهمية عن الحرب نفسها. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجنب التورط المباشر، بل في إدارة لحظة التحول الإقليمي بما يحفظ الأمن ويصنع النفوذ في آنٍ واحد. أثناء الحرب، تبدو الأولوية في تحصين الجبهة الداخلية عبر حماية منشآت الطاقة، وتأمين الموانئ والممرات البحرية، ورفع الجاهزية الجوية والسيبرانية، مع بناء تنسيق خليجي موحّد لإدارة الأزمات، لأن أي اضطراب في الاقتصاد أو الطاقة سينعكس مباشرة على مكانة المنطقة واستقرارها.
اما بعد الحرب، فإن الاستراتيجية الأهم للسعودية والخليج هي ألّا يُقرأ المستقبل بعقلية القنفذ وحدها، أي من خلال رد فعل أمني واحد أو تحالف جامد واحد، بل بعقلية الثعلب التي تحدّث عنها أشعيا برلين: تنويع الأدوات، توزيع المخاطر، وبناء بدائل متعددة. وهذا يعني تسريع مشاريع الطاقة البديلة، وتوسيع الشراكات الدفاعية والتكنولوجية، والحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع جميع الأطراف، لأن المنطقة لن تدخل مرحلة استقرار دائم، بل مرحلة توازن حساس يحتاج إلى إدارة ذكية أكثر من حاجته إلى استعراض القوة.
وبالنسبة للسعودية تحديدًا، فإن الفرصة الكبرى تكمن في تحويل موقعها من دولة تتأثر بالحرب إلى دولة ترسم ما بعدها؛ عبر قيادة مشروع أمن إقليمي جديد يربط حماية التجارة والطاقة بالمصالح الاقتصادية الكبرى، ويجعل من الاستقرار ركيزة لمشاريع التنمية والتحول الاقتصادي. بهذا فقط تنتقل المملكة من منطق احتواء الخطر إلى هندسة النظام الإقليمي القادم، وهو الدور الذي ينسجم مع ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها في قلب الشرق الأوسط والعالمين الإسلامي والعربي وتقاطع المصالح العالمية فيها .
وهنا يعود بنا أشعيا برلين إلى درسه الأعمق: الخطر لا يكمن فقط في الحرب، بل في الاعتقاد أن فكرة واحدة كبرى كافية لتفسيرها أو لإنهائها. الشرق الأوسط، كما يبدو اليوم، أقرب إلى عالم الثعلب؛ عالم التفاصيل المتغيرة، المصالح المتقاطعة، والنتائج غير المتوقعة. ومن يفهم مستقبل المنطقة بعقلية الثعلب سيكون الأقدر على التكيّف مع ما بعد الحرب، أما من يظل أسير يقين القنفذ فقد يربح جولة، لكنه قد يعجز عن فهم التاريخ وهو يُعاد تشكيله أمامه. فالشرق الأوسط بعد هذه الحرب لن يكون ساحة لمن يملك القوة فقط، بل لمن يملك القدرة على قراءة التعقيد وصناعة البدائل قبل أن تفرضها الأزمات.




