المقالات

لماذا تأخرت المواجهة مع إيران؟

حين تقترب منطقة من حافة الحرب، يميل كثيرون إلى الانشغال بلحظة الاشتعال وحدها، كأن التاريخ بدأ من تلك اللحظة لا من عقود سبقتها. غير أن الأسئلة الأعمق لا تكمن في تفاصيل الشرارة، بل في فهم لماذا ظلت المواجهة مؤجلة كل هذا الوقت، وما الذي كان يتراكم في غياب أي حسم.
منذ 1979، اتخذت الجمهورية الإيرانية مساراً ثابتاً قوامه تصدير النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وتطوير ترسانة صاروخية وبرنامج نووي لم تُخفِ طموحاته. وما يُصعّب تأويل هذا المسار بوصفه دفاعياً بحتاً هو ديمومته عبر مراحل متعاقبة وحكومات متباينة داخل إيران نفسها، إذ استمر في عهد المحافظين والإصلاحيين على حدٍّ سواء، مما يشير إلى أنه يعكس توجهاً مؤسسياً راسخاً أعمق من التباينات السياسية العابرة.
والسجل التاريخي في هذا الشأن ليس قابلاً للتأويل المتعدد بسهولة. فمن تفجيرات الثمانينيات في الكويت، إلى أبراج الخبر، إلى استهداف منشآت أرامكو، إلى خلية العبدلي، إلى استمرار احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، ثمة خط يصعب تجاهله يرسم طبيعة العلاقة مع دول الجوار الخليجي بوصفها إدارة صراع دائم، لا خلافات قابلة للتفاوض. وهذا بالضبط ما يجعل السؤال عن التأجيل مشروعاً: إذا كانت المؤشرات بهذا الوضوح، فما الذي أبقى المواجهة مؤجلة؟
الجواب يكمن في جملة حسابات متضافرة. فقد سادت لسنوات قناعة بأن العقوبات والضغط الدبلوماسي قادران على تعديل السلوك الإيراني، وأن الاتفاق النووي لعام 2015 قد يفتح نافذة نحو تطبيع تدريجي. كما أن حسابات الكلفة البشرية والاقتصادية وخطر الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة ظلت تُثقل أي قرار بالمواجهة المباشرة. وهذه الاعتبارات لم تكن وهمية، بل كانت تعكس حكمة حقيقية: الحروب لا تسير دائماً وفق خطط أصحابها، وتاريخ العراق عام 2003 درس لا يُنسى فيما تخلفه الحروب الوقائية من فوضى تتجاوز أهدافها المعلنة.
لكن المشكلة أن التأجيل لم يكن محايداً. كل سنة مرت دون تغيير في المعادلة كانت تمنح الطرف الآخر وقتاً لتطوير منظومة صاروخية أكثر دقة، وخطوط مسيّرات أكثر تطوراً، وشبكات وكلاء أكثر تشعباً في اليمن والعراق ولبنان و سوريا وسواها. ومع مرور الوقت، لم تكن الخيارات تتسع، بل كانت تضيق؛ إذ يرفع كل تطور عسكري جديد كلفة أي تحرك لاحق ويعقّد مساره.
هنا يصبح السؤال النووي محورياً لا يمكن تجاوزه. هل كانت إيران، بعد كل ما ضخّته من موارد سياسية واقتصادية وعلمية في برنامجها النووي، مرشحة للتخلي عنه بقرار طوعي؟ أم أن المنطقة كانت تسير نحو لحظة تجد نفسها فيها أمام إيران نووية محصنة بمنظومات صاروخية وشبكات وكلاء، بما يجعل أي مواجهة لاحقة أشد كلفة وربما مستحيلة سياسياً؟ هذا سؤال استراتيجي حقيقي لا يحتمل إجابة سهلة.
ما يزيد المشهد تعقيداً أن الحديث عن “محور المقاومة” بوصفه مشروعاً تحررياً افتقر دائماً إلى ما يسنده على أرض الواقع. فبعد أربعة عقود من تدفق الدعم الإيراني إلى حلفائه في المنطقة، لم تنهض دولة ولم تتقدم مجتمعات، بل تعمّقت أزمات لبنان والعراق واليمن و سوريا وغيرها. ومن اللافت أن إيران، رغم جعلها العداء لإسرائيل شعاراً مركزياً، حرصت دائماً على إبقاء المواجهة المباشرة مؤجلة، تاركةً حلفاءها يحملون الكلفة الأثقل. وهذا يكشف طبيعة العلاقة: ليست تحالفاً بين أنداد، بل علاقة مركز بأدوات نفوذ قابلة للاستخدام والاستبدال.
أخطر ما في التهديدات الكبرى ليس ظهورها المفاجئ، بل الاعتياد التدريجي عليها حتى تتحول إلى مشهد مألوف في الوعي السياسي. وعندما يبلغ الخطر هذه المرحلة، يصبح التأجيل نفسه قراراً استراتيجياً باهظ الثمن لا مجرد حياد.
لا توجد إجابة مريحة عن السؤال الذي يطرحه هذا المشهد. فالمواجهة المبكرة تحمل مخاطرها الجسيمة، والتأجيل يحمل ثمنه المتصاعد. وبين هذين الخيارين السيئين يقع أصعب ما في السياسة: اتخاذ القرار حين لا يوجد قرار نظيف. لكن ما يمكن قوله بقدر من اليقين هو أن الزمن الطويل الذي مرّ لم يكن فرصة للحل بقدر ما كان وقوداً لتعاظم المشكلة، ولحظة الإدراك هذه، متأخرةً كانت أم مبكرة، لا تنفصل عن كل ما سبقها من تراكم وصمت وتأجيل.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى