في زمنٍ التحديات تبرز الحاجة – أكثر من أي وقت مضى – إلى ترسيخ مفهوم الدولة بوصفها الإطار الجامع الذي يحتضن الجميع دون تمييز. فالدولة الحديثة ليست مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات إدارية، بل هي منظومة قانونية وأخلاقية تقوم على العدالة والمساواة، وتُعلي من قيمة المواطنة فوق أي انتماء آخر.
إن الدعوات التي تحاول إحياء النعرات القبلية أو تقديمها على حساب الانتماء الوطني لا تمثل فقط تراجعًا فكريًا، بل تُشكّل خطرًا حقيقيًا على تماسك المجتمع واستقراره. فالقبيلة، رغم ما تحمله من إرث اجتماعي وثقافي، لا يمكن أن تكون بديلًا عن الدولة، ولا إطارًا يُدار من خلاله الشأن العام. إذ إن الدولة وحدها هي التي تملك الشرعية والقانون، وهي التي تضمن الحقوق، وتحفظ الأمن، وتحقق العدالة.
لقد أدرك الإمام الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله – هذه الحقيقة مبكرًا، حين عمل على توحيد البلاد تحت راية واحدة، واضعًا أسس دولة تقوم على العقيدة والنظام، لا على العصبيات الضيقة. فقد قامت رؤيته على تحويل الانتماءات المتفرقة إلى وحدة وطنية جامعة، يكون فيها الولاء لله عز وجل أولًا، ثم للدولة، وانبثق عن هذا العقد الاجتماعي شعارنا العظيم: “الله ثم الملك والوطن”. دون إلغاء البعد الاجتماعي للقبيلة، بل تنظيمه ضمن إطار يخدم الاستقرار ولا يهدده.
ومن هذا المنطلق، لم يكن الإبقاء على نظام القبيلة في المجتمع إلا باعتباره مكوّنًا اجتماعيًا وثقافيًا يسهم في تعزيز التماسك، لا وسيلةً للتفاخر أو إثارة الفرقة. فقد حرص الملك عبدالعزيز على أن تكون القبيلة جزءًا من نسيج الدولة، لا كيانًا موازيًا لها، بحيث تذوب العصبيات في بوتقة الوحدة الوطنية، ويصبح الجميع شركاء في بناء الوطن.
واليوم، تأتي رؤية المملكة 2030 لتعزز هذا النهج، بوصفها مشروعًا وطنيًا جامعًا يُعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المشاركة والمسؤولية. فقد أسهمت الرؤية في ترسيخ مفهوم الهوية الوطنية الجامعة، وربطت بين التنمية والوحدة، وأكدت أن التقدم لا يتحقق إلا بتماسك المجتمع وتكاتف أفراده، بعيدًا عن أي انقسامات أو ولاءات ضيقة.
وقد أثبت المواطن السعودي، في مختلف المواقف، أنه على قدر هذه المسؤولية؛ فلم يعد مجرد متلقٍ، بل شريكًا فاعلًا في حماية مكتسبات الوطن. كما برز دور المغرد السعودي في الفضاء الرقمي بوصفه خط الدفاع الأول، يتصدى بحزم لكل محاولات بث الفرقة أو التشكيك في وحدة المجتمع، ويفضح الخطابات التي تستهدف اللحمة الوطنية، مؤكدًا أن الوعي المجتمعي أصبح سلاحًا قويًا في مواجهة التحديات.
إن هذا التلاحم بين القيادة والشعب، وبين الواقع والمجال الرقمي، يعكس وعيًا عميقًا بأن أمن الوطن لا يُحمى فقط بالأنظمة، بل أيضًا بالوعي والانتماء الصادق. فكل مواطن يدرك أن مسؤوليته لا تقتصر على ذاته، بل تمتد إلى حماية مجتمعه من كل ما قد يهدد استقراره.
وفي ظل دولة القانون، لا مكان لأي خطاب يُحرّض على الفرقة أو يهدد السلم المجتمعي. فالقانون وُجد ليحمي الجميع، ويضع حدودًا واضحة لكل من يحاول العبث بأمن المجتمع أو استقراره. ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظواهر ليست خيارًا، بل واجب وطني لحماية الحاضر وضمان المستقبل.
ختامًا، إن قوة الدولة تكمن في وحدة شعبها، وفي التزام أبنائها بقيم المواطنة الصادقة. وكلما ارتفع صوت القانون فوق أي صوت آخر، ترسخت العدالة، واستقر المجتمع، ومضى نحو التنمية بثقة وثبات، مستندًا إلى إرث المؤسس، ومدعومًا برؤية طموحة، وشعبٍ واعٍ يشكّل حصنًا منيعًا في وجه كل من يحاول العبث بأمن هذا الوطن العظيم.
• الكاتب والباحث في العلاقات الدولية






