المقالات

ما بين مخرجات الجامعات السعودية وسوق العمل الواعد

التعليم العالي وما أدراك ما التعليم العالي، خلال الأسابيع القليلة الماضية صدر قرارٌ من إحدى الجامعات السعودية العريقة والتي تُعَدّ عنواناً للعمل الدؤوب، وهو بلا شك حقٌّ مشروع للجامعة ضمن صلاحياتها الأكاديمية والإدارية، وأصدرت بيانًا توضيحيًا يُفصِّل القرار. ولكن دار نقاشٌ صحيٌّ على المستويين الأكاديمي والمجتمعي. وقد انقسمت الآراء بين مؤيدين يعتقدون أن القرار يستند إلى تقييم أكاديمي ومهني من لجان مختصة، وأن بعض التخصصات لم تعد تتوافق مع متطلبات سوق العمل، وبين معارضين يعتقدون أن السوق لا يزال بحاجة إلى هذه التخصصات، إضافة إلى دورها في حفظ التراث والثقافة السعودية العربية والإسلامية الأصيلة.

لكن السؤال يكمُن في الآتي: ما مدى دقة القرار؟ وهل يستند القرار إلى بيانات واضحة تدعمه؟ وهل سوق العمل السعودي ومتطلباته يُشبه تمامًا أسواق العمل العالمية التي اعتمدت عليها بعض الجامعات الأمريكية وغيرها في إلغاء بعض البرامج الدراسية وتقليص بعض التخصصات في كليات الآداب والتربية ونحوها؟
وفي المقابل، هل تستند الآراء المؤيدة أو المعارضة، خصوصًا من الأكاديميين والباحثين، إلى بيانات ومؤشرات حقيقية تعكس واقع سوق العمل السعودي، أم إلى خبرات وتجارب متراكمة فقط؟

إنَّ الخبرة عنصرٌ مهمٌّ في صناعة القرار، لكنها لم تعد كافية وحدها، خاصة في عصر البيانات والذكاء الاصطناعي. لذلك لا يمكن بناء قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل التعليم والطلبة اعتمادًا على تحليل لا يشمل عناصر عدة، وعلى سبيل المثال: نسبة التوظيف (Employability rate) من تلك التخصصات، بجانب بيانات احتياج سوق العمل السعودي.
ولو أخذنا بعين الاعتبار التوجهات العامة لرؤية السعودية ٢٠٣٠، فربما يكون الخيار الأنسب ليس إلغاء بعض البرامج الأكاديمية، بل إعادة تقييمها وإعادة تصميمها بما يتلاءم مع متطلبات رؤية ٢٠٣٠ وسوق العمل. فعلى سبيل المثال: يمكن تطوير تخصصات ترتبط بقطاعات وأنشطة واعدة مثل: المتاحف، والمساجد الأثرية، والسياحة الثقافية، والتواصل الحضاري، مع التركيز على المهارات والتدريب العملي والشراكات الدولية وبرامج التبادل المعرفي مع جامعات ومؤسسات إقليمية وعالمية.

لا شك أن المملكة العربية السعودية جزءٌ محوري لا يتجزأ من المنظومة الإقليمية والعالمية، مما جعلها من أوائل العاملين على تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة ٢٠٣٠ التي تُعد مرجعية دول العالم وترتكز إليها رؤية المملكة ٢٠٣٠، لذلك وجب متابعة ومعرفة استراتيجيات الدول الأخرى الإقليمية منها والعالمية تجاه تلك الأهداف. وهذا لا يعني تطبيق استراتيجياتهم (التي نجحوا في تطبيقها إيجابيًا) لاختلافات عدة، منها حجم السوق والتشريعات المصاحبة لتلك الأسواق وثقافاتها المتنوعة.
ويمكن القول في عصر البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي بأن قوة أي قرار لا تُقاس فقط على بعض البيانات والخبرات المتراكمة، بل بمدى استناده إلى بيانات واضحة وشفافة من جميع الجهات ذات الصلة والاختصاص، مثل الهيئة العامة للإحصاء، لتتمكن الجهات المختلفة الأكاديمية وغيرها الاطلاع عليها وتحليلها وإبداء الرأي حولها من خلال القنوات الرسمية المعتمدة بصورة موضوعية تصب في مصلحة الوطن. وختامًا، ما ينجح لديهم لا يضمن نجاحه لدينا، وما ينجح لدينا لا يضمن نجاحه لديهم.

• عضو هيئة تدريس بجامعة برونيل لندن، قسم الحاسب الآلي، المملكة المتحدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى