المقالات

بين نعمة التقنية ومسؤولية الكلمة

تخيّل أن كلمة كتبتها في لحظة انفعال تبقى محفوظة لسنوات، يقرؤها من لا تعرف، وقد تُحاسَب عليها في وقت لم تتوقعه سواءا في الدنيا او الاخرة. هذه هي طبيعة العالم الرقمي اليوم؛ عالمٌ منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعرفة والتواصل والتأثير، حتى أصبح العالم كله في متناول شاشة صغيرة بين يديك. وهي نعمة عظيمة بلا شك، لكنها في الوقت ذاته مسؤولية لا تقل عِظماً.

في الماضي كانت كثير من الكلمات تُقال ثم تمضي، أما اليوم فالكلمة تُكتب فتُحفَظ، وتُنشر فتصل إلى آلاف وربما ملايين الناس خلال دقائق. وربما مرّ على كثير منا موقف أعاد فيه نشر معلومة أو مقطعاً بدا مقنعاً، ثم اكتشف لاحقاً أنه غير صحيح أو مُضلِّل. المشكلة أن أثر الخطأ في الفضاء الرقمي لا يتوقف عند صاحبه، بل يمتد إلى مجتمع كامل.

وقد رأينا أمثلة واضحة على ذلك. ففي مايو 2023 انتشر مقطع مُفبرك لانفجار قرب مبنى البنتاغون، فتراجعت مؤشرات الأسواق الأمريكية خلال دقائق قبل أن يتضح أن المقطع مزيف. مقطع قصير لم يحتج وقتاً طويلاً لإنتاجه، لكنه أحدث ارتباكاً في أكبر سوق مالي في العالم.

ويزداد القلق مع تطور تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake)، التي تتيح تركيب مقاطع لم تحدث، وتقليد أصوات أشخاص لم يقولوا ما نُسب إليهم، أو استخدام صورهم للإساءة والابتزاز وتشويه السمعة. وتشير دراسات حديثة إلى تصاعد استخدام هذه التقنيات في استهداف شخصيات عامة والتأثير على الرأي العام والانتخابات، إلى جانب استغلالها في الاحتيال المالي والاعتداء على الخصوصية.

ومع هذا التسارع تبقى قيمة “التحقق” من أهم ما يحتاجه الإنسان في العصر الرقمي. قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وفي الحديث الشريف: “كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سمع”. فإعادة نشر خبر غير موثوق ليست موقفاً محايداً، بل مساهمة مباشرة في نشر ما قد يكون باطلاً أو مضللاً. والأسوأ أن كثيراً من المنصات الرقمية تكافئ المحتوى المثير والسريع الانتشار أكثر مما تكافئ الدقة والموضوعية، لذلك تنتشر الشائعات أحياناً أسرع من الحقائق.

ومواجهة هذه التحديات لا تعتمد على الوعظ وحده، بل تحتاج إلى عمل متكامل على أكثر من مستوى. فهناك جانب تعليمي، وتجربة فنلندا تُعد من أبرز النماذج في هذا المجال؛ إذ أدخلت مفاهيم التربية الإعلامية والنقد الرقمي في المراحل الدراسية المبكرة، ليتعلم الطالب كيف يميز بين المعلومة الحقيقية والمحتوى المضلل، وكيف يمكن التلاعب بالإحصاءات أو الصور أو السياقات.

وفي الجانب التشريعي، اتجهت بعض الدول إلى سن قوانين أكثر صرامة تجاه المحتوى الزائف. ففي سنغافورة مثلاً يتيح قانون POFMA إلزام المنصات بتصحيح أو إزالة المحتوى المضلل، مع فرض غرامات كبيرة على المخالفات. كما شددت كوريا الجنوبية العقوبات المتعلقة بإنتاج مواد التزييف العميق لما قد تسببه من أضرار اجتماعية وابتزاز وتشويه للسمعة.

أما على المستوى التقني، فقد تبنى الاتحاد الأوروبي عبر قانون الخدمات الرقمية (DSA) إجراءات تُلزم المنصات الكبرى بمزيد من الشفافية، مع توضيح المحتوى المُنتَج بالذكاء الاصطناعي للمستخدمين بصورة أوضح، في محاولة للحد من التضليل وحماية الثقة العامة.

ورغم هذه المخاطر، تبقى التقنية أداة يمكن أن تُستخدم في الخير كما تُستخدم في الضرر. فالذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية فتحت أبواباً واسعة لنشر العلم، وتبادل الخبرات، وبناء المشاريع، وخدمة الناس بطرق لم تكن متاحة من قبل. ومن يقدّم محتوى نافعاً يترك أثراً يمتد مع الوقت، وربما يصل خيره إلى أشخاص لم يلتقِ بهم يوماً.

لكن في المقابل ظهرت نماذج تسعى خلف المشاهدات بأي ثمن، حتى لو كان ذلك عبر الإثارة أو المبالغة أو نشر معلومات غير دقيقة. والمشكلة أن المصداقية لا تُبنى بسرعة، لكنها قد تُفقد بسبب لحظة تسرع أو رغبة في جذب الانتباه، والجمهور مهما تأخر يكتشف الحقيقة في النهاية.

إن بناء ثقافة رقمية واعية يبدأ من الفرد قبل أي جهة أخرى؛ من تلك اللحظة البسيطة التي يتوقف فيها الإنسان قبل النشر ليسأل نفسه: هل هذا صحيح؟ هل هو نافع؟ وهل سأرضى ببقائه مرتبطاً باسمي بعد سنوات؟ فالتريث، والرجوع إلى المصدر الأصلي، وسؤال أهل الاختصاص، وتعليم الأبناء أن خلف كل شاشة إنساناً قد يتأذى، كلها ممارسات صغيرة لكنها تصنع فرقاً كبيراً حين تتحول إلى سلوك مجتمعي عام.

الفضاء الرقمي ليس عالماً منفصلاً عنا، بل امتداد لأخلاقنا وقيمنا وطريقة تعاملنا مع الآخرين. وما نزرعه فيه اليوم سيعود إلينا غداً على شكل وعي وثقافة ورأي عام يشكّل صورة المجتمع ومستقبله. وبين نعمة التقنية واتساع أثر الكلمة، تبقى المسؤولية الفردية الخط الفاصل بين استخدام يصنع الوعي، وآخر يفتح أبواب الفوضى والتضليل.

وقد لخّص القرآن هذه الحقيقة العظيمة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. ففي العالم الرقمي كما في الحياة، لا تضيع الكلمات ولا يختفي الأثر؛ وما يزرع لإنسان اليوم سيجده أمامه غداً، خيراً كان أو شراً.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى