المقالات

من القفص إلى السكن

بعيداً عن صراعات الحرب في الخليج، وعن اختلافات الرأي حول أهمية كليات العلوم الإنسانية في بعض الجامعات، أودّ أن أتوقف عند مشهد إنساني صغير يتكرر في حياتنا دون أن ننتبه إلى ما يحمله من فلسفة.
في إحدى المناسبات، بارك أحدهم لصديقٍ مقبل على الزواج بعبارة مألوفة: “ألف مبروك… دخلت القفص الذهبي!” ضحك الجميع، وابتسم العريس ابتسامة مُرتبِكة، ومضى الحفل. عبارة تُقال بخفّة، كأنها دعابة بريئة، لكنها تحمل في باطنها فلسفةً كاملة عن الزواج والحرية . وحين تتكرر هذه العبارات في ثقافتنا اليومية “دخل القفص”، “انتهى شهر العسل”، “وداعاً للعزوبية” فإنها لا تصف واقعاً، بل تصنعه.
الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين قال عبارته الشهيرة: “حدود لغتي هي حدود عالمي.” ومن بعده ذهب هايدغر إلى أن اللغة ليست أداةً نستخدمها، بل “بيتٌ يسكننا”. نحن لا نختار كلماتنا فحسب، بل كلماتنا تختار شكل تجاربنا. فحين يصف مجتمعٌ الزواجَ بمفردات السجن، فإن أفراده يدخلون علاقاتهم حاملين في لاوعيهم صورة السجين. وحين يصفونه بمفردات السكن والمودة، يدخلونها حاملين صورة البيت والرفيق. الفرق ليس لفظياً، بل وجودي.
لنتأمّل عبارة “القفص الذهبي” بهدوء: قفصٌ من ذهب. المفارقة صارخة — فالذهب رمز القيمة، والقفص رمز الأسر. كأن العبارة تقول: “نعم، أنت في مكانٍ مزخرف، لكنك محبوس فيه”. فالزخرفة لا تُلغي طبيعة القفص، والذهب لا يُحرّر السجين. والأخطر أن العبارة تُضمر معادلةً فلسفية خاطئة: أن الحرية تناقض الارتباط. وهذا ما تنقضه الفلسفة الوجودية من جذوره. سارتر يقول إن الإنسان “محكومٌ عليه بالحرية”، وإن كل لحظة اختيار. والارتباط بشخصٍ آخر ليس نقيضاً للحرية، بل أعلى تجلياتها؛ لأنه اختيار متجدد كل يوم. أن تبقى مع شريكك صباحاً بعد أن تعرف عيوبه، وأن تُجدّد العهد معه حين يكون بإمكانك الرحيل ،هذه حرية أعمق من حرية من لا ارتباط له. وإريك فروم في كتابه “فن الحب” فرّق بين “الوقوع في الحب” كحدثٍ عابر، و”الوقوف في الحب” كفعلٍ إرادي متجدد. الأول قدَر، والثاني اختيار. والزواج في صورته الراشدة هو الثاني لا الأول.
أما “شهر العسل”، فلا يقل خطورة. العبارة تُضمر أن الحلاوة محدودة بفترة قصيرة، وأن ما بعدها انحدار حتمي. كأن العلاقة قارورة أولها عسلٍ تُستهلك مرة واحدة و باقيها مرارة. وهكذا نُبرمج الأزواج الجدد بعفوية لغوية على توقّع الخراب. لكن لماذا يكون الزواج شهر عسلٍ واحداً؟ لماذا لا يكون مواسم متعاقبة، كلٌّ لها مذاقها؟ حلاوة البدايات، ثم حلاوة الشراكة في الشدائد، ثم حلاوة رؤية الأطفال يكبرون، ثم حلاوة أن تشيخ مع من عرفك شاباً. كل مرحلة عسلها مختلف، لكنها جميعاً حلوة لمن يعرف كيف يتذوّق.
هذه المفردات في أصلها غربية. “القفص الذهبي” ظهر في الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، وكان يُقال عن نساء الطبقات الأرستقراطية اللواتي يعشن في ترفٍ بلا حرية. و”شهر العسل” عادةٌ أوروبية قديمة، كان العروسان يشربان فيها مشروباً من العسل تبرّكاً بالخصوبة. نحن استوردنا المفردات دون أن نستورد سياقها، فصارت تعمل في وعينا الجمعي دون أن نُدرك ما تفعله بنا.
وفي المقابل، اختارت اللغة القرآنية كلمة “السكن”: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة”. السكن نقيض القفص تماماً؛ فالقفص احتواءٌ قسري، والسكن احتواءٌ اختياري يُنتج الطمأنينة. القفص يُضيّق، والسكن يُوسّع. وفي تراثنا: الصاحب، والرفيق، والشريك ، ونصف العمر، وبيت العمر. كل مفردة تحمل معنى الشراكة والامتداد، لا الحبس والانقضاء.
حين نُداوم على المفردات المستعارة، نفعل أكثر من مجرد الكلام. نُعلّم الأبناء أن الزواج عبءٌ لا نعمة، ونُبرمج الأزواج على الشعور بالاختناق قبل أن تُختبر العلاقة، ونخلق ثقافة السخرية من الزواج في مجالسنا، ونُسهم دون أن ندري في الطلاق العاطفي قبل الطلاق الفعلي. فمن يعيش وهو يتوقع القفص، سيجد القفص حتى في بيتٍ من زجاج.
هذا ليس دعوة لمنع نكتة ولا تصحيح لسان. النكات ستبقى، والعبارات لن تختفي بمقال. لكن الدعوة أن نعي ما نقول، وأن ندرك أن كل مرة نصف فيها الزواج بالقفص، نُشكّل به وعي من يسمعنا. اللغة ليست قميصاً نلبسه، بل جلداً ننمو فيه.
فلنُعِد للزواج لغته التي تليق به: السكن، والمودة، والرحمة، والصحبة. ولنترك القفص مهما كان ذهبياً لمن يريد أن يعيش فيه. أما نحن، فبيوتنا لا أقفاصنا، وشهور عسلنا متعددة لا واحدة، ورفقاؤنا اخترناهم ولم نُساق إليهم. الزواج الذي تحرسه لغة جميلة يعيش أجمل، والفرق بين البيتين ليس في جدرانهما، بل في الكلمات التي تسكنهما. فالزواج لا يبدأ من عقدٍ يُوقَّع، بل من كلمةٍ نختارها لوصفه.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى