المقالات

الشهادات السهلة… حين يضعف التعليم وتبقى الاوراق

لم تعد المشكلة في ضعف بعض الكيانات التعليمية فحسب، بل في تحويل التعليم من مشروع بناء معرفي عميق إلى واجهة تسويقية فارغة. فحين تمنح الشهادات بسهولة، ويختزل النجاح في الإعلان والبهرجة، يشعر الجادون من الطلاب والطالبات أن قيمة الاجتهاد الحقيقي تتآكل أمام نماذج تبيع الوهم أكثر مما تصنع الكفاءة.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذه الممارسات يضر بسمعة التعليم نفسه، ويخلق فجوة خطيرة بين الشهادة والقدرة، حتى يصبح المجتمع هو من يدفع الثمن لاحقا في سوق العمل، وفي جودة المخرجات المهنية والعلمية. ولهذا يبقى السؤال الأهم:

هل الهدف تخريج أعداد كبيرة من الحاصلين على الشهادات، أم صناعة كفاءات حقيقية قادرة على البناء والإبداع؟

فالجامعات العريقة لا تبنى بالشعارات اللامعة، ولا بالوعود السهلة، بل بالصرامة الأكاديمية، وقوة المحتوى، وجودة الأستاذ الجامعي، واحترام قيمة العلم.

وكم هو مؤلم ما نراه اليوم من ضعف واضح في مستويات بعض الطلاب؛ بسبب ضعف التدريس أحيانا، أو هشاشة المحتوى العلمي، أو ضعف بعض أعضاء هيئة التدريس، أو بسبب الاختبارات السهلة التي تحولت في كثير من المقررات إلى: صواب وخطأ، واختيارات متعددة، ووصل، واملأ الفراغ؛ حتى لم يعد الطالب بحاجة إلى قراءة عميقة أو فهم حقيقي، بل يكتفي بقراءة سطحية، ثم يدخل الاختبار ليخمن الإجابات، فينجح غالبا دون أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة المتينة.

وللأسف، انتقلت مشكلة هذا النوع من الأسئلة إلى التعليم العام أيضا، حتى أصبح بعض الطلاب لا يجيد كتابة فكرة متماسكة، ولا قراءة نص قراءة واعية؛ لأن اختبارات كثيرة باتت تعتمد على الصواب والخطأ والخيارات، وبعضها يتكرر وينتشر بين الطلاب، فيحفظ الطالب موضع الإجابة الصحيحة دون فهم، ثم يبحث عنها في ورقة الاختبار كما يبحث عن رمز محفوظ، فلا يقرأ السؤال أصلا، وهذه كارثة أخلت بجوهر التعليم، وأضعفت مهارات الفهم والتحليل والتعبير.

وقد جربت ذلك بنفسي حين أدخلت اثنين من أبنائي في المرحلة المتوسطة إلى قاعة جامعية فيها مقرر متقدم في الكيمياء باللغة الإنجليزية، وكانت أسئلته كلها من نوع الاختيارات والصواب والخطأ. لم يكن الولدان يفقهان شيئا مما كتب، ولا يعرفان حتى لغة المقرر فقيل لهم الإجابة أن تختار ماتشاء الف او باء، ومع ذلك سلما الإجابة بعد عشر دقائق، فحصل أحدهما على 17 من 40، والآخر على 21 من 40، فقط بالمصادفة والتخمين.

وهنا تتضح الكارثة؛ فكم من طالب يخدمه الحظ في مثل هذه الاختبارات مع سهولة الغش فيها، فينجح بدرجات لا تعكس مستواه الحقيقي، ثم يتخرج ضعيفا علميا، هش المعرفة، يحمل شهادة أكبر من قدرته الفعلية.

والأشد مرارة أن بعض الطلاب الذين اعتادوا هذا النوع من النجاح السهل، إذا واجهوا أستاذا صارما في أسئلته، دقيقا في تقييمه، اتهموه بأشد التهم، وشوهوا سمعته؛ مع أن هذا الأستاذ الصارم يريد لهم الخير الحقيقي، بينما المتساهل — من حيث يشعر أو لا يشعر — يزيدهم ضعفا وجهلا، ويخدعهم بشهادة لا تسندها كفاءة.

وقديما قال المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم

وقال أيضا:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم

فالعلم الحقيقي لا يصنعه التسهيل المفرط، ولا النجاح المجاني، بل تصنعه المعاناة الفكرية، والقراءة العميقة، والأسئلة التي تختبر الفهم لا الحظ، والأستاذ الذي يربي قبل أن يختبر.
وقد أحسن امير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا

لكن المعلم لا يستطيع أداء رسالته كاملة إذا تحول التعليم إلى سباق نسب نجاح، أو إلى إرضاء للطلاب على حساب مستواهم العلمي بل إلى مساءلة لو ارتفعت نسبة الرسوب عنده بينما تفاخر الآخرون بنجاح طلابهم وهم لا يستحقون غالبا.

إن أخطر ما قد يحدث للأمة ليس وجود الجاهل، فالجهل يعالج بالتعلم، وإنما نجاح الجاهل وهو يظن نفسه عالما، ويحمل ورقة توهمه — وتوهم المجتمع — أنه مؤهل، بينما الحقيقة أن بينه وبين العلم الحقيقي مسافات طويلة من القراءة، والفهم، والتعب، والانضباط.

اللهم اصلح حال تعليمنا وحال طلابنا

أ.د. عمر بن عبدالله الهزازي

أستاذ الكيمياء بجامعة أم القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى