في يوم الخميس 16 صفر 1448هـ، الموافق 30 يوليو 2026م، اتجهت إلى المطار، وأنا الآن على متن الطائرة متوجهًا إلى المنطقة الشرقية للمشاركة في الصلاة على رجل لم يكن كغيره من الرجال، إنه بكر بن عبدالله بن بكر… أذكره باسمه مجردًا من الألقاب، فمكانته في القلوب تغني عن كل لقب.
ومن جميل المصادفات أن التقيت في مطار جدة بأخيه وزميلي معالي الدكتور خالد بن عبدالله بن بكر، فتجاذبنا أطراف الحديث، واستعدنا ذكريات سنوات طويلة عشناها تحت قيادة ذلك القائد النادر، الذي ترك أثره في كل من عمل معه أو عرفه.
بدأت معرفتي بأبي أسامة عام 1394هـ، حين تقدمت بطلب وظيفة معيد في كلية البترول والمعادن، وكان آنذاك عميدًا للكلية. وكإجراء اعتيادي أحال ملفي الأخضر إلى رئيس قسم الدراسات العامة، الدكتور عبدالرحمن الزامل -حفظه الله-، وبعد المقابلة كتب على الملف عبارة ما زالت محفورة في ذاكرتي: “قوبل، وفُحصت مؤهلاته، ووُجد مؤهلًا.” وبناءً على ذلك أصدر العميد قرارا بتعييني معيدًا في قسم الدراسات العامة.
وفي تلك الفترة تشرفت الكلية بزيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وصدر القرار التاريخي بتحويلها من كلية إلى جامعة، لتبدأ مرحلة جديدة كان لأبي أسامة فيها الدور الأكبر في رسم ملامحها.
ثم ابتعثت لدراسة الماجستير والدكتوراه، وبعد عودتي أستاذًا في الجامعة، لم تمض سنة أو سنتان حتى كلّفني -رحمه الله- بوكالة شؤون الطلاب. ومنذ ذلك الحين توثقت علاقتي به بحكم العمل، ثم تشرفت بالتدرج في خدمة الجامعة عميدًا لشؤون الطلاب، ثم أمينًا للجامعة.
لم أتعلم منه الإدارة فحسب، بل تعلمت منه فقه القيادة.
تعلمت منه كيف يجتمع الحزم واللين في شخصية واحدة، وكيف تقترن الحكمة بالإنسانية. كان قائدًا يقرأ من يدخل عليه قبل أن ينطق بكلمة، ويستوعب ما يريد قبل أن يشرحه.
تعلمت منه كيف يُمهد لاتخاذ القرار، وكيف يُتخذ القرار، وكيف تُدار مرحلة ما بعد القرار. تعلمت منه قيمة الشورى، وأن يمنح زملاءه كامل الحق في إبداء آرائهم، بل وأن يتراجع عن رأيه إذا تبين له أن رأي الأغلبية أصوب.
وتعلمت منه أن الطالب هو محور الجامعة ورسالتها. كان شديد القرب من طلابه، حريصًا على الاستماع إليهم وتحقيق مطالبهم مهما بلغت صعوبتها. وكان يقرأ بنفسه صحيفة الطلاب المسماة “ساندوتش”، ويتابع ما يكتب فيها من ملاحظات ومطالب، ثم يبني عليها كثيرًا من قراراته. كان يرى في صوت الطالب بوصلةً لا ينبغي أن تُهمل.
كما تعلمت منه معنى الوفاء للمؤسسة. ولست أبالغ حين أقول إن حبه لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن كان استثنائيًا. كان يتسامح مع كل ما يمسه شخصيًا بحق أو بغير حق، لكنه كان ينتفض إذا شعر أن أحدًا أساء إلى الجامعة أو انتقص من مكانتها. ولعليّ لا أبالغ إذا قلت إنه قدّم الجامعة على نفسه وأسرته والناس أجمعين.
وتعلمت منه كيف تُبنى الجامعات برؤية بعيدة المدى، وكيف يُخطط لبرامجها الأكاديمية ومنشآتها ومستقبلها، وكيف تُدار أكاديميًا وإداريًا وماليًا بكفاءة واقتدار. ولهذا أرى -وأتحمل مسؤولية ما أقول- أنه المؤسس الحقيقي الأول لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بعد تحويلها من كلية إلى جامعة، وصاحب الفضل الأكبر في ترسيخ مكانتها التي نعرفها اليوم.
لقد كان -رحمه الله- قائدًا استراتيجيًا بعيد النظر، عميق الفكر، إنسانيًا متواضعًا، شهمًا نبيلًا، ووطنيًا من الطراز الرفيع.
وكنت أظن، كما ظن كثيرون غيري، أنني من أقرب الناس إليه، ثم أدركت مع مرور الزمن أن كل من عمل معه كان يشعر بهذا الشعور؛ وذلك من فرط حكمته، ودماثة خلقه، وقدرته الفريدة على احتواء من حوله.
وهذا الذي كتبته ليس إلا غيضًا من فيض، وقطرة من بحر. ولعل العاطفة الجياشة تجاه هذا الرجل الكريم جعلتني أتنقل بين الذكريات دون ترتيب، فأرجو المعذرة.
وحسبي أنني أحببته في الله، وشهدت له بما رأيت وعشت.
رحمك الله يا بكر رحمة واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة، وجزاك عن جامعتك، وعن طلابك، وعن وطنك خير الجزاء.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ
فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ
حتى إذا لم يدع لي صدقُه أملاً
شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرق بي
• نائب وزير التربية والتعليم
عضو مجلس الشورى
مدير جامعة الأمير مقرن سابقا