قالوا عن مكةكتاب الرأي

صحيفة مكة الإلكترونية… عندما يصنع الذكاء الاصطناعي صحافة المستقبل

يشهد العالم اليوم تحولًا جذريًا في صناعة الإعلام، فلم يعد الذكاء الاصطناعي ترفًا تقنيًا أو خيارًا إضافيًا، بل أصبح أحد أهم مرتكزات المؤسسات الإعلامية التي تسعى إلى المحافظة على تنافسيتها وتعزيز حضورها في بيئة رقمية تتغير بوتيرة متسارعة. وفي خضم هذا التحول، تبرز صحيفة (مكة الإلكترونية) بوصفها إحدى التجارب السعودية التي استوعبت مبكرًا أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير العمل الصحفي، ليس باعتباره بديلًا للصحفي، وإنما شريكًا تقنيًا يعزز جودة الأداء ويرفع كفاءة الإنتاج. ومن خلال متابعة ما تقدمه الصحيفة، يتضح أن توظيف الذكاء الاصطناعي لديها لا يقتصر على تسريع إنتاج المحتوى، بل يمتد إلى منظومة العمل الإعلامي بأكملها، بدءًا من تحليل البيانات ورصد اتجاهات الجمهور، مرورًا بإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، وانتهاءً بتحسين وصول المادة الصحفية إلى القراء عبر أدوات التحسين الرقمي ومحركات البحث. وهذا يعكس فهمًا عميقًا بأن مستقبل الصحافة لن يقوم على سرعة النشر وحدها، وإنما على القدرة على توظيف التقنية لخدمة المهنة والمحافظة على جودتها. ومن منظور مهني، أرى أن صحيفة مكة الإلكترونية نجحت في تقديم نموذج متوازن يجمع بين الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية التي لا يمكن الاستغناء عنها. فالصحفي المحترف لا يزال هو صاحب القرار التحريري، وهو المسؤول عن التحقق من المعلومات، وصياغة المعالجة الصحفية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي أداء المهام التقنية والتحليلية التي تختصر الوقت والجهد وتفتح آفاقًا جديدة للإبداع.كما أن التجربة تؤكد أن المؤسسات الإعلامية التي تبادر إلى تبني التقنيات الحديثة بصورة مدروسة ستكون أكثر قدرة على المنافسة والاستمرار، خصوصًا في ظل التغيرات المتلاحقة في سلوك الجمهور، وتزايد الاعتماد على المنصات الرقمية والمحتوى التفاعلي والوسائط المتعددة.ومع ذلك، فإن نجاح أي تجربة في هذا المجال يظل مرهونًا بعدة اعتبارات، أهمها المحافظة على المصداقية، وتعزيز الشفافية، واحترام حقوق الملكية الفكرية، وعدم السماح للذكاء الاصطناعي بأن يحل محل الحس الصحفي أو المسؤولية المهنية. فالتقنية مهما بلغت من التطور تبقى أداة، أما الضمير المهني والقدرة على التقييم والتحليل واستحضار البعد الإنساني فهي مسؤولية الإنسان وحده.

إن تجربة صحيفة مكة الإلكترونية تقدم رسالة مهمة إلى المؤسسات الإعلامية العربية مفادها أن الاستثمار الحقيقي ليس في التقنية بحد ذاتها، وإنما في حسن توظيفها لخدمة الرسالة الإعلامية. ومن هنا، فإنني أرى أن الصحيفة تستحق الإشادة بوصفها إحدى التجارب الوطنية الواعدة في توظيف الذكاء الاصطناعي، وأنها تسير بخطى واثقة نحو صناعة إعلام رقمي أكثر كفاءة وتأثيرًا، يجمع بين أصالة العمل الصحفي وحداثة الأدوات، ويؤكد أن مستقبل الإعلام سيكون لمن يحسن توظيف التقنية دون أن يتخلى عن القيم المهنية التي قامت عليها الصحافة منذ نشأتها. فشكرا للزميل الأستاذ عبدالله الزهراني مؤسس و رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية على هذه الجهود المتميزة ، داعيا الله له وللصحيفة كل التوفيق والتقدم والرقي.

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى