
أنهى القطاع غير الربحي السعودي عام 2025 بمؤشرات تعكس اتساع حضوره الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.4%، وتجاوز عدد منظماته 7,200 منظمة، فيما بلغ عدد المتطوعين 1.7 مليون متطوع.
لكن القراءة المستقبلية لهذه الأرقام تكشف تفاوتًا بين مستهدفات تحقق بعضها مبكرًا، وأخرى ما زالت تحتاج إلى تسارع أكبر خلال السنوات المتبقية حتى عام 2030.
فرؤية السعودية 2030 تستهدف رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5%. وبناء على نتيجة عام 2025، تبقى فجوة مقدارها 3.6 نقاط مئوية بين المساهمة الحالية والهدف النهائي، فيما تعادل نسبة 1.4% نحو 28% من قيمة المستهدف البالغ 5%.
التطوع يسبق المسار الاقتصادي
يمثل العمل التطوعي أبرز المؤشرات التي تجاوزت مستهدفها قبل الموعد؛ إذ تستهدف رؤية 2030 الوصول إلى مليون متطوع، بينما وصل العدد إلى 1.7 مليون متطوع في 2025، أي بزيادة 70% على المستهدف النهائي.
كما سجلت المنصة الوطنية للعمل التطوعي أكثر من 552 ألف فرصة تطوعية، وبلغت القيمة الاقتصادية لتطوع الفرد 305 ريالات، إلى جانب مشاركة نحو 185 ألف متطوع في خدمة ضيوف الرحمن
ويكشف هذا التقدم نجاح المملكة في توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية ونشر ثقافة التطوع، إلا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تجاوز قياس عدد المتطوعين والفرص نحو مؤشرات أكثر عمقًا، تشمل جودة الفرص، والمهارات التي اكتسبها المتطوعون، واستمرارية مشاركتهم، والقيمة الاجتماعية التي حققتها جهودهم.
فزيادة عدد المتطوعين تمثل مدخلًا مهمًا، لكنها لا تعني تلقائيًا زيادة الأثر ما لم تُوجَّه الطاقات التطوعية نحو الاحتياجات الفعلية للمجتمع، وترتبط بمشروعات واضحة النتائج، وتُدار من خلال منظمات تمتلك القدرة على التخطيط والمتابعة وقياس الأداء.
الاقتصاد يحتاج إلى نموذج نمو مختلف
على خلاف التطوع، ما زالت المساهمة الاقتصادية تحتاج إلى مسار نمو أسرع للوصول إلى هدف 5% بحلول 2030.
ولا يمكن تحقيق هذا المستهدف بالاعتماد على زيادة أعداد الجمعيات والمؤسسات وحدها؛ إذ يتطلب توسعًا في حجم الأنشطة الاقتصادية التي ينفذها القطاع، وقدرته على تقديم الخدمات، واستقطاب الاستثمار الاجتماعي، وتوليد الإيرادات، والدخول في تعاقدات مستدامة مع القطاعين الحكومي والخاص.
ويظهر التقرير أن القطاع حقق نموًا تراكميًا في عدد المنظمات بلغ 341.97% مقارنة بخط الأساس، بينما وصلت نسبة المنظمات الداعمة للأولويات التنموية إلى 97%. وتدل هذه الأرقام على توسع القاعدة المؤسسية، لكن المرحلة التالية تضع التركيز على إنتاجية هذه المنظمات وحجم أثرها الاقتصادي والاجتماعي، وليس عددها فقط.
وهنا يبرز سؤال المرحلة المقبلة:
هل تستطيع آلاف المنظمات القائمة التحول إلى مؤسسات تنموية منتجة للخدمات والوظائف والقيمة الاقتصادية؟
الإجابة ستعتمد على قدرة المنظمات على بناء نماذج تشغيلية قابلة للنمو، وتطوير منتجات وخدمات اجتماعية، وتنويع مصادر الدخل، والانتقال من تمويل المبادرات القصيرة إلى تمويل البرامج طويلة الأثر.
الإسناد الحكومي بوابة للنمو
يمثل إسناد الخدمات الحكومية إلى المنظمات غير الربحية أحد المسارات التي يمكن أن ترفع مساهمة القطاع في الاقتصاد، من خلال تعاقد الجهات الحكومية مع المنظمات المؤهلة لتنفيذ وتشغيل خدمات موجهة إلى المجتمع.
ويشير المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي إلى أن الإسناد يسهم في زيادة فاعلية المنظمات في تنمية المجتمع، وتنويع مواردها المالية عبر التعاقدات الحكومية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة إلى المستفيدين. (NCNPS)
ولا تعني هذه الآلية انسحاب الجهة الحكومية من مسؤوليتها، بل انتقالها جزئيًا من تقديم الخدمة مباشرة إلى تنظيمها وتمويلها ومتابعة جودتها، مع الاستفادة من قرب المنظمات غير الربحية من الفئات والمجتمعات المحلية.
لكن التوسع في الإسناد يتطلب رفع جاهزية المنظمات في مجالات إدارة العقود، والتسعير، والجودة، وإدارة المخاطر، والموارد البشرية، والتقارير المالية، وقياس النتائج. فالمنظمة التي تعتمد على التبرعات قد لا تكون تلقائيًا مؤهلة لتنفيذ عقد حكومي كبير ما لم تطور قدراتها المؤسسية والتشغيلية.
كما يجب أن ترتبط عقود الإسناد بمؤشرات نتائج واضحة، لا بعدد الأنشطة المنفذة فقط؛ مثل تحسن حياة المستفيدين، أو انخفاض تكلفة الخدمة، أو رفع سرعة الوصول إليها، أو توسيع تغطيتها الجغرافية.
الاستثمار الاجتماعي يعالج فجوة التمويل
يمثل الاستثمار الاجتماعي مسارًا آخر لتحويل القضايا المجتمعية إلى فرص لتصميم حلول مستدامة وقابلة للتمويل.
ويعرف هذا المسار بتوجيه الأموال والخبرات نحو مشروعات تحقق عائدًا اجتماعيًا قابلًا للقياس، وقد يصاحبها عائد مالي أو استرداد لرأس المال، بدلًا من اقتصار العلاقة على تقديم منحة تنتهي بانتهاء المشروع.
وأوضح المركز أن الاستثمار الاجتماعي يمكن أن يسهم في إيجاد حلول مستدامة للقضايا المجتمعية، وتحسين البنية التحتية للمجتمعات، وتحقيق الاستدامة المالية للمنظمات، وتوفير فرص وظيفية وتنمية الأفراد والمجتمعات المحلية.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يغيّر السؤال من:
كم أنفقنا على معالجة المشكلة؟
إلى:
ما النتيجة الاجتماعية التي حققها الاستثمار، وهل يمكن استمرارها وتوسيعها؟
ومن شأن تطوير أدوات الاستثمار ذي الأثر، والصناديق الاجتماعية، وعقود الدفع مقابل النتائج، والتمويل المبتكر، أن يساعد المنظمات على تجاوز الاعتماد المفرط على التبرعات الموسمية والمنح محدودة المدة.
الاستدامة المالية شرط للنمو
لا يستطيع القطاع رفع مساهمته في الناتج المحلي أو التوسع في خدماته إذا ظلت موارده مرتبطة بمصدر تمويل واحد.
وتحتاج المنظمات خلال المرحلة المقبلة إلى بناء مزيج مالي أكثر توازنًا، يضم التبرعات والمنح، والعوائد الاستثمارية، والعقود الحكومية، والشراكات مع الشركات، والمنتجات والخدمات المدرة للدخل، والأوقاف والصناديق التمويلية.
ولا يعني تنويع الدخل تحول المنظمة غير الربحية إلى منشأة تجارية بحتة؛ بل استخدام أدوات اقتصادية لخدمة رسالتها الاجتماعية وضمان استمرارها.
فالاستدامة المالية لا تُقاس بحجم السيولة المتاحة في سنة واحدة، وإنما بقدرة المنظمة على الاستمرار في تقديم خدماتها، ومواجهة تغيرات التمويل، والاحتفاظ بالكفاءات، والتخطيط لعدة سنوات، دون التخلي عن الفئات التي أُنشئت لخدمتها.
القوى العاملة تحتاج إلى مسارات مهنية
وصل إجمالي العاملين في القطاع غير الربحي خلال 2025 إلى أكثر من 141 ألف موظف، بما يمثل 0.80% من القوى العاملة في المملكة.
ويمثل هذا الرقم أساسًا يمكن البناء عليه لتعزيز دور القطاع في خلق الوظائف، لكن التوسع الكمي يجب أن يصاحبه تطوير نوعي للمهن والمهارات المطلوبة.
فالمرحلة المقبلة ستحتاج بصورة متزايدة إلى مختصين في:
- قياس الأثر الاجتماعي.
- الاستثمار والتمويل الاجتماعي.
- إدارة المنح والعقود.
- الحوكمة والامتثال.
- تحليل البيانات.
- تصميم البرامج الاجتماعية.
- إدارة المتطوعين.
- تنمية الموارد والاستدامة المالية.
- الشراكات والتواصل المجتمعي.
كما يحتاج القطاع إلى مسارات وظيفية واضحة ورواتب تنافسية وبرامج تطوير مهني تساعده على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، بدلًا من التعامل معه بوصفه محطة وظيفية مؤقتة أو مجالًا يعتمد على الحافز الإنساني وحده.
الإنفاق التنموي ليس بديلًا عن قياس الأثر
أظهر تقرير 2025 أن الإنفاق التنموي شكل 76.2% من إجمالي إنفاق القطاع، وبلغ رضا المستفيدين 90%، فيما دعمت 97% من المنظمات الأولويات التنموية.
وتعكس هذه النتائج اتجاهًا إيجابيًا نحو توجيه الموارد إلى البرامج والخدمات، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد حجم التغير الذي تحقق في حياة المستفيدين.
فالإنفاق يوضح ما جرى تخصيصه أو صرفه، والرضا يقيس تجربة المستفيد، بينما يقيس الأثر التغير الفعلي طويل المدى؛ مثل تحسن دخل الأسرة، أو زيادة الاستقلالية، أو رفع فرص التوظيف، أو تحسن جودة الحياة، أو انخفاض معدل مشكلة اجتماعية معينة.
ولهذا سيكون قياس الأثر الاجتماعي من أهم متطلبات المرحلة المقبلة، خصوصًا مع توسع الاستثمار الاجتماعي والإسناد الحكومي والشراكات مع الشركات؛ لأن الجهات الممولة والشريكة ستحتاج إلى معرفة النتائج التي حققتها الأموال، لا عدد البرامج والأنشطة المنفذة فقط.
بيانات موحدة لاتخاذ القرار
يمتلك القطاع اليوم حجمًا متزايدًا من البيانات المتعلقة بالمنظمات، والمتطوعين، والتراخيص، والقوائم المالية، والبرامج، والمستفيدين.
والتحدي ليس في جمع البيانات فقط، وإنما في ربطها وتحليلها وتحويلها إلى قرارات، بما يساعد على:
- تحديد المناطق والفئات الأقل حصولًا على الخدمات.
- اكتشاف تكرار البرامج بين المنظمات.
- توجيه التمويل إلى القضايا الأعلى أولوية.
- التنبؤ بالمخاطر المالية والمؤسسية.
- قياس الفروق في جودة الأداء.
- معرفة التدخلات الأكثر تأثيرًا والأقل تكلفة.
ومن شأن بناء قواعد بيانات مترابطة ولوحات متابعة وطنية أن ينقل القطاع من التخطيط المبني على تقديرات عامة إلى التخطيط المبني على الأدلة والاحتياجات الفعلية.
خمسة محركات للمرحلة المقبلة
تكشف نتائج 2025 أن رفع مساهمة القطاع إلى 5% من الناتج المحلي لن يتحقق بمحرك واحد، بل عبر منظومة متكاملة تشمل:
أولًا: الإسناد الحكومي
لتوسيع دور المنظمات في تقديم الخدمات العامة عبر تعاقدات واضحة ومستدامة.
ثانيًا: الاستثمار الاجتماعي
لتمويل الحلول القابلة للتوسع وربط التمويل بالنتائج.
ثالثًا: الاستدامة المالية
لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على التمويل الموسمي.
رابعًا: الاحتراف المؤسسي
لبناء قيادات وكفاءات قادرة على إدارة المنظمات والعقود والموارد.
خامسًا: قياس الأثر
لإثبات القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي ينتجها القطاع وتوجيه الموارد نحو البرامج الأكثر فاعلية.
اختبار السنوات المتبقية
تؤكد مؤشرات 2025 أن القطاع غير الربحي تجاوز مرحلة التأسيس وبناء الحضور، وحقق تقدمًا استثنائيًا في المشاركة التطوعية، ووسع عدد منظماته وقواه العاملة وإنفاقه التنموي.
لكن اختبار السنوات المتبقية حتى 2030 سيكون مختلفًا؛ إذ لن يتمثل في إضافة منظمات ومتطوعين فقط، بل في زيادة إنتاجية القطاع، وتعظيم قيمة خدماته، وبناء نماذج تمويل مستدامة، وإثبات أثره من خلال نتائج قابلة للقياس.
وبين مساهمة حالية تبلغ 1.4% ومستهدف يصل إلى 5%، تبدو الفرصة كبيرة، وكذلك حجم التحول المطلوب. فالقطاع يمتلك قاعدة اجتماعية واسعة، لكنه يحتاج إلى تحويل هذه القاعدة إلى قوة اقتصادية وتنموية أكثر تأثيرًا واستدامة.
«حقق القطاع مستهدف التطوع مبكرًا، لكن بلوغ مستهدفه الاقتصادي يتطلب تحويل المشاركة المجتمعية إلى خدمات واستثمارات ونتائج قابلة للقياس».
«المرحلة المقبلة لن تقاس بعدد المنظمات وحده، بل بقدرتها على إنتاج أثر اجتماعي واقتصادي مستدام».






