
في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة تنتقل عبر شاشة الهاتف أسرع من انتقالها عبر المنصات الرسمية، واصبح الجميع اعلامي عبر منصته الخاصة لم تعد العلاقات العامة تقتصر على بناء الصورة الذهنية أو إبراز الإنجازات، بل أصبحت معركة لحماية الحقيقة وصون الثقة. ففي المقابل، برز ما يُعرف بـ”الذباب الإلكتروني”، وهو سلوك رقمي منظم أو فردي يعتمد على نشر الشائعات، وصناعة الجدل، وتوجيه الرأي العام بوسائل تفتقر إلى المهنية والمصداقية.
تكمن خطورة الذباب الإلكتروني في أنه لا يحتاج إلى أدلة بقدر حاجته إلى التوقيت المناسب والعاطفة المتأججة. فهو يستثمر سرعة منصات التواصل الاجتماعي ليحول الإشاعة إلى حقيقه، والتأويل إلى اخبار ومعلومات متداولة، قبل أن تجد المعلومة الصحيحة طريقها إلى الجمهور. لذلك أصبحت العلاقات العامة مطالبة بأن تكون استباقية لا ردّة فعل، وأن تبني جسورًا من الثقة قبل وقوع الأزمات، لأن المؤسسة التي تمتلك رصيدًا من المصداقية تكون أكثر قدرة على تجاوز حملات التضليل.
ولا تُقاس كفاءة العلاقات العامة اليوم بعدد البيانات الصحفية أو الاخبار التي تنشرها، وإنما بقدرتها على إدارة المعلومة، وقراءة اتجاهات الرأي العام، والتواصل السريع والشفاف مع المجتمع. فالمصداقية أصبحت رأس المال الحقيقي للمؤسسات، وكلما تأخر إيصال الحقيقة، اتسعت مساحة الشائعة، وقلت الثقه
وفي المملكة العربية السعودية، ومع ما تشهده من تحول رقمي متسارع في ظل رؤية المملكة 2030، تعاظم دور العلاقات العامة بوصفها شريكًا استراتيجيًا في تعزيز الوعي، ودعم الشفافية، وترسيخ التواصل الفعّال مع المجتمع. ولم يعد المطلوب مجرد نشر الخبر، بل تقديم المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب، بلغة واضحة تعزز الثقة وتحاصر التضليل.
إن مواجهة الذباب الإلكتروني لا تتحقق بحملات مضادة أو بخطاب انفعالي، وإنما بالاحترافية، وسرعة الاستجابة، وتوفير المعلومات الموثوقة، وتعزيز الثقافة الإعلامية لدى المجتمع. فكلما ازداد وعي المتلقي، تناقصت قدرة الشائعات على التأثير، وأصبح المجتمع نفسه خط الدفاع الأول عن الحقيقة.
وفي النهاية، تبقى العلاقات العامة رسالة قبل أن تكون وظيفة، ورسالتها الأسمى هي حماية الثقة بين المؤسسة وجمهورها. أما الذباب الإلكتروني، فمهما ارتفع صوته، فإنه يظل عاجزًا أمام حقيقة تُدار باحتراف، ومؤسسة تجعل الصدق والشفافية نهجًا ثابتًا، لا رد فعل مؤقتًا. فالحقيقة قد تتأخر، لكنها وحدها القادرة على البقاء، بينما تمضي الشائعات كما جاءت، تاركةً خلفها درسًا جديدًا يؤكد أن الثقة تُبنى بالكلمة الصادقة، وتحميها العلاقات العامة الواعية.