من منطلق قوله الكريم ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
ليس كل فقرٍ يُقاس بخلو الجيوب، ولا كل غنى يُقاس بامتلاء الحسابات؛ فثمة فقرٌ أشد وطأة، حين يعتاد الإنسان النعمة حتى يعجز عن رؤيتها، ويستغرق في عدِّ ما ينقصه، ناسياً ما يغمره من عطايا الله. ومن هنا يبدأ فقر الامتنان؛ ذلك الفقر الذي لا تراه العيون، لكنه يترك أثره في الأرواح قبل الوجوه.
لقد تحوّل التذمر في زماننا إلى ثقافة يومية، حتى غدا بعض الناس يستيقظون على الشكوى، ويختتمون يومهم بها، وكأن الحياة لم تمنحهم ما يستحق الحمد. إنها مفارقة مؤلمة؛ فكلما اتسعت النعم، اتسعت معها دائرة التطلعات، حتى صار المفقود يطغى على الموجود، وأصبحنا ننظر إلى ما في أيدي الآخرين أكثر مما ننظر إلى ما بين أيدينا.
فلنخفض أبصارنا قليلًا… لا ازدراءً لأحد، بل اتعاظًا وامتنانًا.
انظروا إلى الكادحين الذين يخرجون قبل بزوغ الفجر، يحملون على أكتافهم أثقال الحياة، ويعودون مع غروب الشمس وقد أنهكتهم مشقة السعي، وما زالت ألسنتهم تلهج بالحمد. وانظروا إلى أسرٍ أثقلتها الحاجة حتى أصبح الخبز حلمًا، وإلى مرضى سرق الألم من وجوههم إشراقة العافية، حتى غدت أمنيتهم الكبرى أن يستيقظوا يومًا بلا وجع، أو يناموا ليلةً بلا أنين.
هناك، بعيدًا عن ضجيج الصور البراقة، تُكتب حكايات الصبر الحقيقية، وهناك فقط يدرك الإنسان أن كثيرًا مما يشكو منه ليس سوى ترفٍ إذا ما قورن بابتلاءات غيره، وأن نعمًا اعتاد وجودها حتى غابت عن وعيه، هي عند غيره أمنيات قد لا تتحقق طوال العمر.
إن الامتنان ليس كلمةً تقال بعد كل نعمة، بل رؤية للحياة، ووعيٌ يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح القلب سكينة لا يهبها المال ولا المناصب. فمن امتلأ قلبه شكرًا عاش غنيَّ النفس، وإن قلّ ما يملك، ومن استوطنه التذمر عاش فقير الروح، ولو ملك الدنيا بما فيها.
فلنحذر أن نُصاب بترف الشكوى، فهو أول الطريق إلى جحود النعم، ولنربِّ أبناءنا وأنفسنا على ثقافة الحمد، لا لأن النعم ستدوم بالشكر فحسب، بل لأن الشاكر هو وحده من يدرك قيمتها قبل أن يفتقدها.
فليست المأساة أن تقل النعم، بل أن تفيض من حولنا، بينما نعجز عن رؤيتها… وذلك هو فقر الامتنان.




