كتاب الرأيالمقالات

سياسات القبول الجامعي بين الحرية الأكاديمية والعائد الاقتصادي

يشهد التعليم العالي تحولاً غير مسبوق في معايير الحكم على كفاءته. فبعد أن كان نجاح الجامعات يُقاس بجودة برامجها الأكاديمية ومكانتها البحثية، أصبح يُقاس أيضاً بقدرتها على إنتاج رأس مال بشري يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويستجيب للتحولات المتسارعة في سوق العمل. ولم يعد هذا التحول مجرد توجه إداري فحسب، بل أصبح قضية اقتصادية واستراتيجية تمس سياسات القبول الجامعي ذاتها، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل ينبغي أن تُخصص المقاعد الجامعية وفق العائد الاقتصادي المتوقع للتخصصات، أم وفق الحرية الأكاديمية وحق الطالب في اختيار مساره العلمي؟

ينطلق هذا السؤال من تغيرات عميقة فرضتها الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، حيث تتراجع أهمية بعض المهن التقليدية، في مقابل تصاعد الطلب على مهارات جديدة تتعلق بالبيانات، والأتمتة، والبرمجة، والأمن السيبراني، والتقنيات الصحية. ولم تعد الجامعات تواجه تحدي تخريج أعداد أكبر من الطلاب، بل أصبحت مطالبة بتخريج الكفاءات التي يحتاج إليها الاقتصاد في المستقبل، لا تلك التي يحتاجها في الحاضر فقط.

ومن المنظور الاقتصادي، تستند هذه الرؤية إلى نظرية رأس المال البشري التي ترى أن التعليم استثمار طويل الأجل يرفع إنتاجية الفرد ويزيد دخله، ويعزز النمو الاقتصادي. وعندما تخصص الدولة مليارات الريالات لتمويل التعليم الجامعي، فإنها لا تستثمر في منح الشهادات، وإنما في تكوين كفاءات قادرة على زيادة الناتج المحلي، وتعزيز الابتكار، ورفع الإنتاجية، وتقليل البطالة، وتحقيق عائد اجتماعي يتجاوز العائد الفردي للخريج. ومن ثم، فإن توجيه جزء أكبر من الطاقة الاستيعابية نحو التخصصات الأعلى طلباً ليس مجرد قرار أكاديمي، بل سياسة اقتصادية تهدف إلى تحسين كفاءة تخصيص الموارد العامة.

إلا أن هذا المنطق، على وجاهته، يصبح قاصراً إذا اختزل قيمة التعليم في مؤشرات الأجور أو معدلات التوظيف. فالعائد الاقتصادي للتعليم لا يُقاس فقط بما يحصل عليه الخريج من راتب، وإنما بما ينتجه من معرفة، وما يسهم به من ابتكار، وما يضيفه من قيمة للمجتمع. ولذلك فإن التخصصات الإنسانية والاجتماعية، رغم انخفاض عوائدها المالية المباشرة في بعض الحالات، تؤدي وظائف لا غنى عنها في بناء المؤسسات، وصياغة السياسات العامة، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ التفكير النقدي، وهي جميعها عناصر لا تقل أهمية عن النمو الاقتصادي ذاته.

كما أن الاعتماد على مؤشرات سوق العمل الحالية قد يقود إلى قرارات قصيرة النظر. فالأسواق بطبيعتها ديناميكية، وما يُعد اليوم من أكثر التخصصات طلباً قد يصبح بعد سنوات أقل أهمية نتيجة التطور التقني أو تغير هيكل الاقتصاد. ولذلك فإن بناء سياسات القبول على بيانات آنية فقط قد يؤدي إلى اختلالات مستقبلية تتمثل في فائض خريجين في تخصصات فقدت ميزتها التنافسية، مقابل نقص في تخصصات ناشئة لم تكن ظاهرة عند وضع سياسات القبول.

ومن ناحية أخرى، فإن الأدبيات التربوية تؤكد أن توافق التخصص مع ميول الطالب واستعداداته يمثل أحد أهم محددات النجاح الأكاديمي والتميز المهني. فالطالب الذي يدرس في مجال يتوافق مع اهتماماته يكون أكثر قدرة على الإبداع والاستمرار في التعلم، بينما يؤدي فرض تخصص لا يتوافق مع قدراته إلى انخفاض التحصيل، وارتفاع احتمالات التعثر الأكاديمي، وضعف الرضا الوظيفي مستقبلاً. ومن هنا، فإن تجاهل ميول الطلاب بحجة المواءمة الاقتصادية قد يفضي إلى خسارة اقتصادية من نوع آخر تتمثل في انخفاض الإنتاجية وإهدار رأس المال البشري.

ولعل الإشكالية الحقيقية تكمن في النظر إلى الحرية الأكاديمية والعائد الاقتصادي باعتبارهما خيارين متعارضين، بينما الواقع يؤكد أنهما متكاملان. فالاقتصاد يحتاج إلى مخرجات تعليمية تتوافق مع احتياجاته، والجامعة تحتاج إلى الحفاظ على رسالتها العلمية، والطالب يحتاج إلى مساحة تحقق طموحه وقدراته. ومن ثم، فإن السياسة الرشيدة ليست التي تنتصر لأحد هذه الأطراف، بل التي تنجح في تحقيق التوازن بينها.

ولهذا، فإن مستقبل سياسات القبول ينبغي أن ينتقل من نموذج القبول القائم على الدرجات إلى نموذج القبول القائم على البيانات. ويقوم هذا النموذج على ثلاثة مرتكزات رئيسية: استخدام نماذج استشرافية تتنبأ بالطلب المستقبلي على المهن، وقياس استعدادات الطلاب وميولهم باستخدام أدوات علمية، وربط الطاقة الاستيعابية للبرامج الجامعية بالأولويات التنموية للدولة، مع مراجعة هذه المؤشرات بصورة دورية وفق المتغيرات الاقتصادية والتقنية.

وفي وطننا المملكة العربية السعودية، تمثل هذه المقاربة امتداداً طبيعياً لمستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة، ورفع كفاءة رأس المال البشري، وتعزيز المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، مع الاستثمار في القطاعات المستقبلية مثل التقنية، والصناعة المتقدمة، والطاقة، والسياحة، والاقتصاد الرقمي. غير أن تحقيق هذه المستهدفات يتطلب أن تتحول الجامعات من مؤسسات تستجيب للطلب الاجتماعي على التعليم إلى مؤسسات تستشرف الطلب الاقتصادي على المهارات والكفاءات.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار اليوم ليس: كم طالباً يمكن أن نقبل؟ بل: أي نوع من الخريجين يحتاج إليهم الاقتصاد الوطني بعد عشر سنوات؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل الجامعة، وهيكل التخصصات، وآليات التمويل، وسياسات القبول في المستقبل. وعندما تصبح البيانات الاقتصادية، والاتجاهات التقنية، وخصائص الطلاب، عناصر متكاملة في صناعة القرار الجامعي، فإن القبول الجامعي لن يكون مجرد إجراء إداري لتوزيع المقاعد، بل أداة استراتيجية لإدارة رأس المال البشري وصناعة مستقبل الاقتصاد الوطني.

د. ساير ساعد ساير الجعيد

استاذ التمويل والاستثمار المشارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى