ثمة رجال حين يرحلون، لا يكون رحيلهم خبراً عابراً يضاف إلى سجل الوفيات، ولا تكون الكتابة عنهم مجرد استعادة لسيرة مضت، لأنهم كانوا في حياة من حولهم أكبر من أسمائهم ومناصبهم؛ كانوا ظلاً ومرجعاً وسنداً، وكانت لهم في البيوت والقلوب والمجالس أمكنة لا يملؤها أحد بعدهم.
ومن هؤلاء كان الوالد ، العم معالي الأستاذ الدكتور راشد بن راجح الشريف – رحمه الله –.
أكتب عنه اليوم، ولا أعرف من أين تبدأ الكتابة عن رجل اجتمعت فيه عندي صورتان يصعب الفصل بينهما: صورة الشخصية العامة، الذي عرفه الناس؛ عالماً وأكاديمياً ومسؤولاً وإدارياً وشخصية وطنية لها حضورها ومكانتها، وصورة العم الذي لم يكن في حياتي مجرد عم، بل كان في مقام الوالد، قرباً ومحبة وتوجيهاً واحتواءً.
ولذلك فإن فقده بالنسبة لي ليس فقد شخصية عامة فحسب، ولا فقد قريب عزيز فحسب؛ إنه فقد جزء من تكوين الإنسان نفسه، ومن ذاكرته، ومن تلك المساحة الآمنة التي يظل المرء، مهما تقدم به العمر، يعرف أن وراءه فيها رجلاً يستطيع أن يعود إليه.
قبل أيام قليلة، كان معالي الدكتور راشد الراجح بيننا، واليوم نتحدث عنه بعبارة «رحمه الله».
وما أثقل الانتقال بين العبارتين.
نعرف جميعاً أن الموت حق، ونؤمن بقضاء الله وقدره، ونعرف أن لكل أجل كتاباً، ولكن المعرفة شيء، وأن ترى مكاناً كان يشغله عزيز عليك وقد خلا منه شيء آخر. وأن تدرك أن صوتاً ألفته لن تسمعه مرة أخرى، وأن وجهاً صاحب مراحل طويلة من حياتك أصبح في الذاكرة، فذلك امتحان آخر لمعنى الصبر والتسليم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
لم يكن عمي فقط
عندما أقول إن معالي الدكتور راشد هو عمي وفي مقام والدي، فإنني لا أستخدم عبارة مجاملة تقال في الرثاء. لقد كان ذلك حقيقة عشتها. هناك صلات تصنعها الأنساب، وهناك صلات أخرى تصنعها المواقف والأيام والسنوات. وقد جمع الله لي معه الصلتين معاً؛ صلة الرحم، وصلة الأبوة المعنوية التي لا تحتاج إلى اسم حتى يشعر بها الإنسان.
كان حضوره في حياتنا حضور الكبير الذي نعرف مكانته من غير أن يطالب أحداً بالاعتراف بها. نحترمه قبل أن يتحدث، ونهابه من غير خوف، ونأنس بالقرب منه من غير أن تزول هيبته. وتلك، في ظني، من أندر الصفات في الرجال. فبعض الناس تمنحهم المناصب الهيبة، فإذا غادروا مناصبهم غادرتهم. أما هو، فكانت هيبته من شخصه قبل منصبه، ومن وقاره قبل لقبه، ومن تاريخه قبل أن يسبقه إلى المجلس اسم «معالي».. عرفته قريباً كما لم يعرفه كثيرون. ورأيت فيه ما لا يظهر بالضرورة في السير الرسمية: الإنسان خلف المسؤول، والعم خلف الشخصية العامة، والرجل في بيته وبين أهله، بعيداً عن البروتوكول والألقاب. ولهذا تبدو لي سيرته أكبر بكثير من أن تختصر في قائمة من المناصب.
رجل من جيل البناء
ينتمي معالي الوالد إلى جيل من رجالات المملكة حمل مسؤولية البناء في مرحلة كانت فيها بلادنا تتوسع في مؤسساتها، وتنشئ جامعاتها، وتبني كوادرها، وتنتقل بالتعليم العالي إلى آفاق أوسع. كان ذلك جيلاً يعرف أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن المؤسسة لا تُبنى بالقرارات وحدها، وإنما بالرجال، وبالثقافة، وبالقدوة، وبالعمل المتراكم الذي قد لا يرى صاحبه ثماره كلها في حياته.
وفي هذا السياق جاءت تجربة معاليه في جامعة أم القرى.
لقد تولى إدارة الجامعة وكيلًا ثم مديرًا منذ عام 1402هـ حتى عام 1416هـ، وهي مدة طويلة في عمر المؤسسات، ارتبط خلالها اسمه بمرحلة مهمة من مراحل بناء الجامعة ونموها. ولم تكن جامعة أم القرى بالنسبة له مجرد مؤسسة يرأسها، بل كانت جزءاً من مشروع علمي وتربوي في مكة المكرمة، المدينة التي تحمل في وجدان المسلمين مكانة لا تشبهها مكانة. كان يدرك أن الجامعة في مكة ليست جامعة عادية، وأن المسؤولية فيها تتجاوز الإدارة اليومية إلى رسالة العلم وخدمة المجتمع وخدمة هذا البلد المبارك. ومن يعرف الجامعات يعرف أن بناءها الحقيقي لا يظهر في المباني وحدها، وإنما في الإنسان: في عضو هيئة التدريس الذي يجد بيئة تساعده على العطاء، وفي الطالب الذي تفتح له الجامعة طريق المستقبل، وفي التخصصات التي تنشأ، وفي البحث العلمي الذي ينمو، وفي التقاليد المؤسسية التي تستقر وتنتقل من جيل إلى جيل. وهذه هي الآثار التي تبقى عندما يغادر المسؤول مكتبه.
المسؤول الذي لم يأخذه المنصب من الناس..
المناصب العليا تختبر أصحابها. فهي تستطيع أن تغير الإنسان، وأن تصنع حوله حواجز، وأن تجعله مع مرور السنوات أسير اللقب والمراسم والمسافات. لكن من أجمل ما بقي في ذاكرتي عن معالي الوالد أن المنصب، على ارتفاعه، لم ينتزع منه بساطته. كان يعرف قدر المسؤولية، لكنه لم يكن يتكلف الإحساس بأهميته. وكان يحفظ للمناصب هيبتها من غير أن يحولها إلى حاجز بينه وبين الناس. وهنا تحديداً تكمن قيمة الرجل. فالناس قد تنسى بعد سنوات تفاصيل القرارات الإدارية، لكنها لا تنسى كيف عاملهم المسؤول. قد تنسى خطاباً ألقاه، لكنها تتذكر كلمة قالها في وقت احتاجت فيه إلى كلمة. وقد لا تحفظ تاريخ قرار، لكنها تحفظ موقفاً من إنسان وقف معه. والسيرة الحقيقية لأي مسؤول، جزء كبير منها محفوظ في صدور الناس.
كان رحمه الله يحسن الاستماع
وهذه من الصفات التي تبقى في ذاكرتي عنه، وهذه خصلة قد تبدو بسيطة، لكنها في الرجال الكبار لها قيمة كبيرة، أن تستمع لمن هو أصغر منك سناً، أو أقل منك تجربة، أو أدنى منك موقعاً، من غير أن تشعره بالفارق بينكما، فذلك خلق قبل أن يكون مهارة.
لم يكن الحوار معه استعراضاً للمعرفة، ولم يكن يحتاج إلى أن يثبت لمن يجلس أمامه أنه الأكثر خبرة. وهذه واحدة من القيم التي تعلمناها من جيله.
كان رحمه الله حازمًا لكن بالرحمة والرأفة
فكان رحمه الله من الرجال الذين يجمعون بين صفات قد يظن البعض أنها متناقضة. لكنه كان حازماً حين يستدعي الأمر الحزم، وليناً حين يكون اللين أجمل. وكان للوقار نصيب ظاهر في شخصيته، لكن وراء ذلك الوقار قلب يعرف أهله ومحبيه جيداً. ومن عاش قريباً منه يعرف أن الإنسان لا يمكن أن يحكم على الرجال من ملامحهم العامة وحدها. فهناك رجال لا يجيدون التعبير الكثير عن عواطفهم، لكن أفعالهم تقول ما لا تقوله الكلمات…. يسألون عنك…..يتابعون أمرك….يتدخلون حين تحتاج إليهم….يفرحون بنجاحك….ويقلقون عليك من غير أن يخبروك أنهم قلقون. وهذه في نظري إحدى أجمل صور الأبوة. ولذلك أقول إنني فقدت فيه أباً، لا عمّاً فقط.
كان رحمه الله مدرسة بلا فصول
حين يكون في الأسرة رجل صاحب علم وتجربة ومسؤولية طويلة، فإن أثره لا ينتقل إلى أسرته بالمواعظ وحدها. ينتقل بطريقة حياته….كيف يستقبل الناس….كيف يتحدث عن الآخرين….كيف يتعامل مع الخلاف….كيف يحترم الكبير ويرحم الصغير… كيف يعالج مشاكل مجتمعه…..كيف يحفظ الود….كيف يتصرف عندما يغضب….وكيف يتعامل مع الدنيا حين تأتيه، وحين تدبر عنه.وهذه التربية الصامتة ربما تكون أعمق أثراً من الكلام. لقد كان معالي الوالد الدكتور راشد بالنسبة لنا مدرسة من هذا النوع…مدرسة بلا قاعات ولا مناهج مكتوبة، وإنما بالمشاهدة والمواقف والسنوات.
والإنسان لا يدرك أحياناً مقدار ما تعلمه من شخص إلا عندما يفقده، عندها يبدأ باسترجاع التفاصيل الصغيرة، ويكتشف أن كثيراً من الأشياء التي أصبحت جزءاً من شخصيته ربما بدأت ذات يوم من موقف رآه، أو كلمة سمعها، أو نصيحة قيلت له ثم استقرت في داخله سنوات طويلة.
وما قيمة المناصب بعد الرحيل؟
الموت يعيد ترتيب الأشياء بطريقة مدهشة…فجأة تتراجع الألقاب…وتصغر المناصب…وتختفي المكاتب والمراسم…ويبقى سؤال واحد: ماذا ترك الإنسان في الناس؟ وهذا السؤال، في رأيي، هو الامتحان الأخير لكل سيرة!! لقد حمل معالي الوالد الدكتور راشد الراجح ألقاباً ومناصب رفيعة، وكان اسمه معروفاً في الأوساط العلمية والأكاديمية والوطنية، لكنني وأنا أكتب عنه اليوم لا أجد أجمل ما يمكن أن يقال عنه الا انه كان صاحب أثر. فالمنصب ينتهي بقرار، أما الأثر يبقى ويخلد. والمنصب يشغله بعدك شخص آخر، أما مكانك في قلوب من أحبوك فلا يشغله أحد.
مكة التي أحبها
وكان لمكة المكرمة في حياته معنىً خاصًّا. فهي المكان، وهي الجامعة، وهي المجتمع، وهي الذاكرة.
وفي مكة يصعب الفصل بين العلم والدين والمجتمع؛ فكل شيء فيها يتصل بتاريخ طويل من خدمة الإنسان والعلم والحرمين الشريفين. ومن هنا أظن أن جانباً مهماً من سيرة الدكتور راشد لا يمكن فهمه بعيداً عن مكة. لقد كان واحداً من رجالاتها الذين ارتبطت أسماؤهم بمؤسساتها العلمية والاجتماعية، وعاش سنوات طويلة في خدمة التعليم فيها، وتعامل مع أجيال متعاقبة من أبنائها ومن القادمين إليها من أنحاء المملكة والعالم الإسلامي. وهذا بحد ذاته إرث لا يقاس بالأرقام وحدها.
مسقط راسه وعشقه الأول
وُلد العم رحمه الله في محافظة (تُرُبة) القرية الزراعية الصغيرة على ضفاف الوادي، لم تُعرف بالعلم ولا بالثقافة، فكانت نقطة انطلاقه وبحثه عن العلم والمعرفة خارج حدودها، لكنها كانت في قلبه وذاكرته وكان كلما ابتعد عنها عاد اليها بدافع الحنين والماضي. فكان لها قسطًا كبيرا من وقته وجهده وجاهه، فمن بعضها وليس حصراً، حيث الاعمال الخيرية وسعيه في مشروع إيصال المياه اليها الذي تبرع به صاحب السمو الأمير متعب بن عبدالعزيز رحمه الله، حيث كانت المدينة في امس الحاجة اليه. وعلى مدخل المدينة يقع فرع الجامعة شاهداُ على سعيه وجهده في تحويل التعليم الجامعي في المحافظة من حلم الى حقيقة.
المرض.. والدرس الأخير
في آخر حياته رحمه الله، ما يقرب من عشر سنوات، تجرد فيها من مظاهر الدنيا، وبقى هو وربه، وبقى أهله ومحبوّه من حوله، وقد شاء الله أن يكون المرض آخر محطات حياته في هذه الدنيا. ونحن المؤمنين لا ننظر إلى المرض باعتباره ألماً مجرداً، بل نرجو ما عند الله، ونستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه. ولهذا فإن مما يعزينا في فقده أن ما أصابه من مرض وتعب نرجو أن يكون رفعة في درجاته وتكفيراً لسيئاته وزيادة في حسناته. لقد انتهى الألم، وبقي الرجاء في رحمة الله. ورحمة الله أوسع من حزننا جميعاً.
في الأيام الثلاثة الأولى بعده
ثلاثة أيام فقط مضت على الرحيل. وما زال العقل أحياناً يتعامل مع الأمر وكأنه خبر لم يكتمل. في الأيام الأولى للفقد، تتحول الذاكرة إلى مكان مزدحم. تأتي الصور من غير ترتيب…مجلس قديم…كلمة…ابتسامة…موقف عائلي…اتصال…نصيحة…زيارة… صوت تعرفه جيداً…تفاصيل صغيرة لم تكن تعرف أنها محفوظة في مكان ما بداخلك، ثم تدرك فجأة أن هذه التفاصيل أصبحت إرثاً.
وهذا هو الجانب الأكثر إيلاماً في الموت؛ أن الأشياء العادية جداً تصبح بعد رحيل أصحابها أشياء استثنائية…كرسي كان يجلس عليه…مكان اعتاد أن يكون فيه…رقم هاتف محفوظ في الجهاز تعرف أن صاحبه لن يتصل…واسم حين تراه، يحتاج القلب إلى لحظة حتى يتذكر الحقيقة.
ماذا أقول لك يا عمّي؟
لو كان للرثاء أن يتحول إلى حديث مباشر، لقلت:
يا عمّي، يا من كنت لنا في مقام الوالد…
لم نكن نعرف ونحن نعيش الأيام معك أننا كنا نصنع ذكريات سنحتاج إليها يوماً بهذا القدر. ولم نكن نعرف أن بعض المجالس التي بدت عادية ستصبح بعد رحيلك ثمينة إلى هذا الحد. ولم نكن نعرف أن الإنسان حين يفقد كبير العائلة لا يفقد شخصاً واحداً؛ بل يفقد معه جزءاً من زمن كامل. كنتَ بالنسبة إلينا صلة بجيل، وبمرحلة، وبذاكرة عائلة. وكان وجودك يمنح الأشياء نوعاً من الثبات. واليوم نشعر بمعنى الفراغ الذي يتركه الكبار عندما يرحلون. لكن عزاءنا أنك رحلت وقد تركت اسماً طيباً، وعلماً، وعملاً، وأهلاً ومحبيّن يدعون لك، وأثراً في مجتمع كبير، وذكريات موزعة في قلوب عدد لا يحصى من الناس. وذلك من أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه.
شهادتنا فيه شهادة المحب
لا أزعم في هذه الكلمات الحياد. وكيف يكون الإنسان محايداً وهو يكتب عن رجل كان في مقام أبيه؟
هذه شهادة محب. وقد يرى المحب فيمن يحب ما لا يراه الآخرون. لكنني في الوقت نفسه أعرف أن المحبة وحدها لا تصنع سيرة الرجل العامة. هناك آلاف ممن عرفوا الدكتور راشد الراجح طالباً أو أستاذاً أو مسؤولاً أو مديراً للجامعة أو شخصية عامة. ولكل واحد منهم راشد الراجح الذي عرفه. وربما تكون أجمل سيرة يمكن أن تكتب عنه يوماً هي تلك التي تجمع هذه الشهادات كلها. لأن الرجال الذين تمتد حياتهم في العمل العام عقوداً لا يملك شخص واحد قصتهم كاملة. كل منا يحمل صفحة. وأنا أحمل صفحة القريب، صفحة الإنسان الذي رأيته داخل العائلة، وعرفته بعيداً عن المنصب، وظللت أراه مهما كبرت أنا ومهما تغيرت المواقع، كبيراً أرجع إليه بعين الابن قبل عين ابن الأخ.
رحيل جيل
وحين يرحل رجل في مكانة الدكتور راشد، فإن الحزن يتجاوز الشخص إلى الشعور برحيل جيل كامل شيئاً فشيئاً. جيل عاش بدايات التحولات الكبرى في بلادنا. جيل شارك في بناء المؤسسات الحديثة. جيل لم تكن أمامه الطرق ممهدة كما هي أمام الأجيال اللاحقة. ولهذا فإن الوفاء لذلك الجيل لا يكون بالرثاء وحده. يكون بحفظ تجربته. وتوثيق سيرته. وتسجيل شهاداته. وإبقاء ما يستحق من قيمه حياً في الأجيال التالية. فالأمم التي لا تحفظ ذاكرة رجالها تضطر في كل مرة إلى البدء من جديد.
ما يبقى
بعد ثلاثة أيام من رحيل معالي الوالد راشد الراجح، أجد أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا أخذ معه؟ بل: ماذا ترك؟ ترك أسرة تحبه. وترك تلاميذ وزملاء عرفوه. وترك سنوات طويلة من العمل في خدمة العلم والتعليم. وترك مرحلة من تاريخ جامعة أم القرى ارتبط اسمه بها. وترك مواقف في ذاكرة الناس. وترك لنا نحن أهله شيئاً أكبر من كل ذلك: ترك قدوة وذاكرة واسماً علينا مسؤولية أن نصونه بالعمل الصالح والسيرة الطيبة. وهذا ربما هو المعنى الحقيقي للإرث، ليس ما يتركه الإنسان من أشياء، وإنما ما يتركه في الناس.
وداعاً يا والدي وعمّي
أما أنا، فسأظل كلما ذُكر اسمك أراك بالصورة التي عرفتك بها، لا بالصورة الرسمية التي يعرفها الناس. سأراك كبير العائلة. سأراك العم الذي كان في مقام الأب. وسأتذكر أن بعض النعم لا ندرك حجمها كاملاً إلا عندما نفقدها. وسيبقى في النفس كلام كثير لم يُقل. وربما تكون تلك طبيعة الفقد؛ أن يرحل الأحبة وتبقى لنا أحاديث كان ينبغي أن نطيلها، وأسئلة كان ينبغي أن نسألها، ولحظات كان ينبغي أن ندرك قيمتها أكثر. لكن المؤمن يعرف أن الفراق في هذه الدنيا ليس نهاية الحكاية. وأن رجاء اللقاء في دار لا فراق فيها هو ما يخفف وحشة الغياب. رحمك الله يا والدي راشد الراجح. رحمك الله يا عمّي. رحمك الله يا من كنت في مقام والدي. اللهم إن عبدك راشد قد أفضى إليك، وأنت أرحم به منا. اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجعل ما أصابه من مرض وتعب رفعة في درجاته وتكفيراً لخطاياه. اللهم اجزه عن علمه وعمله وأهله وطلابه وكل من أحسن إليه خير الجزاء. اللهم بارك في أهله، واجمعنا به ووالدينا ومن نحب في مستقر رحمتك، في جنات النعيم.
لقد غاب الرجل عن أعيننا، لكن الرجال أصحاب الأثر لا يغيبون تماماً.
تغيب الوجوه، وتبقى المواقف.
وتنتهي المناصب، وتبقى السيرة.
ويرحل الإنسان، ويبقى ما زرعه في قلوب الناس.
وهكذا سيبقى الوالد راشد الراجح في ذاكرتنا: عالماً ومسؤولاً ورجلاً من رجال الوطن في ذاكرة الناس، وعمّاً وأباً وكبيراً للعائلة في ذاكرتنا نحن.
رحمك الله ووالدي رحمة واسعة، وأسكنكم الفردوس الأعلى من الجنة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
• أستاذ الاقتصاد وعميد كلية الاقتصاد والإدارة سابقا بجامعة ام القرى
مكة المكرمة 28/2/1448 للهجرة
