المقالات

وبعدين

وبعدين؟..
إلى متى تبقى شعوب المنطقة
رهينة التهديد والإدانة؟

جلست أتابع الأخبار
وأنا في الحقيقة أحاول منذ فترة أن أقلّل من متابعتها
فما عاد في كثير منها ما يسرّ القلب
أو يبعث على الاطمئنان ..
اجتماعات تتبعها اجتماعات
وتصريحات تلاحق تصريحات
وبيانات تبدأ بـ«ندين ونستنكر»
وأخرى تحذر وتتوعد
ثم نعود في اليوم التالي إلى
المشهد نفسه ..
وكأن منطقتنا كُتب عليها أن تعيش بين التهديد والوعيد والرد عليه
وبين التصعيد والدعوة إلى التهدئة!
وهنا يفرض السؤال البسيط نفسه وربما كان أبسط الأسئلة
هو أصعبها:

وبعدين؟

إلى متى؟

اليمن منذ سنوات يدفع الثمن
شعب عربي عريق أنهكته الحرب والانقسام والفقر
بينما يستمر الحوثيون في فرض
واقع السلاح
وتمضي إيران في علاقتها
ودعمها لهم
ويظل أمن اليمن ودول الجوار والممرات البحرية عرضة لمغامرات
لا .. يدفع ثمنها أصحاب الشعارات وحدهم، وإنما الأبرياء
والاقتصادات والشعوب ..
ثم ننتقل إلى مضيق هرمز
ذلك الشريان الدولي الذي لا ينبغي
أن يتحول إلى ورقة مساومة
في يد هذه الدولة أو تلك ..
وفي أخبار اليوم يتبادل الأمريكيون والإيرانيون حديث «السيطرة»:
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
يقول إن الولايات المتحدة
تملك «سيطرة كاملة»
على المضيق
فيما ترد طهران بأن الحديث الأمريكي غير صحيح ..
وأن السفن لا تستطيع العبور
بأمان دون موافقتها!
وبين «نحن نسيطر» و«لن تمروا دون إذننا» نسأل :

وأين العالم من كل هذا؟

هل أصبحت الممرات الدولية ساحة لإثبات النفوذ؟
وهل أمن الطاقة والتجارة وحياة الملايين مجالًا للمزايدات
السياسية والعسكرية؟
مضيق هرمز
ليس ملكًا لإيران
وليس ملكًا لأمريكا
ولا ينبغي أن يكون غنيمة
لقوة عسكرية أيًا كانت
إنه ممر دولي تتصل سلامته
بمصالح العالم
وفي مقدمتها دول الخليج التي تقع على ضفافه وتعيش تبعات
أي اضطراب فيه قبل غيرها ..
والأغرب أننا أمام مشهد تتداخل فيه الملفات حتى تكاد تضيع الحقيقة :
إيران، الحوثيون، الميليشيات، اليمن، البحر الأحمر، باب المندب، هرمز، الولايات المتحدة
ثم بيانات وتحذيرات ووساطات ومفاوضات… بينما المواطن العربي البسيط يسأل:
متى تستقر هذه المنطقة؟
لقد تعبت شعوبها من الحروب بالوكالة.
وتعبت من أن تصبح مدنها ومنشآتها وموانئها وطرق تجارتها حقول تجارب للصواريخ والمسيّرات ..
وتعبت من دفع فاتورة صراعات
لم تخترها ..
إن دول مجلس التعاون
وفي مقدمتها
المملكة العربية السعودية
اختارت على مدى سنوات طريق التهدئة والحوار
ومدّت يدها للسلام
وسعت إلى تجنيب المنطقة
ويلات الحروب
وهذا النهج ليس ضعفًا
بل مسؤولية دولة تدرك أن الحرب
قد تبدأ بصاروخ
ولكن لا أحد يستطيع أن يحدد
أين تنتهي ..!
غير أن السلام نفسه يحتاج
إلى قوة تحميه
وإلى موقف دولي واضح يحمي الممرات الدولية
ويمنع استخدام الميليشيات
أداةً للضغط والابتزاز
ويعيد لليمن دولته ومؤسساته وأمنه

أما إيران
فإن أمامها خيارًا يستحق التأمل :
أن تكون دولةً جارة تتعاون
مع محيطها
وتحترم سيادة دوله
وتوجّه إمكاناتها إلى بناء الداخل الإيراني وخدمة شعبها :
أو أن تبقى المنطقة أسيرة دوامة النفوذ والميليشيات والتهديدات
التي لم تجلب لأحد أمنًا ولا رخاءً ..
ونحن هنا لا نتحدث
عن الشعب الإيراني
فهو الآخر يستحق الأمن والاستقرار والحياة الكريمة
وإنما عن سياسات صنعت على
مدى سنوات أزمات تجاوزت الحدود ووصلت آثارها إلى شعوب
لم تكن طرفًا فيها ..

لقد آن الأوان أن تتغير لغة
المنطقة من :

مَن يسيطر؟
ومَن يهدد؟
ومَن يرد؟
إلى :
كيف نحمي الإنسان؟
وكيف نحفظ الدول؟
وكيف نعيد لليمن أمنه؟
وكيف نجعل هرمز وباب المندب
والبحر الأحمر ممرات للحياة
لا .. ساحات للصراع؟
والخاتمة…
يا سادة السياسة في هذا العالم:
نقول : كفى ..كفى
ليس كل ما تستطيع الجيوش
فعله يجب أن تفعله
وليس كل خلاف يحتاج صاروخًا
وليس من العدالة أن يختلف الكبار فيدفع الصغار الثمن ..!
لقد طال انتظار الحلول
وكثرت البيانات
وتشابهت الإدانات
حتى أصبح السؤال يتردد
على ألسنة الملايين :

“وبعدين؟

إلى متى يظل الآمن خائفًا
والمسافر مترقبًا
والبحّار مهددًا
والاقتصاد مضطربًا
والشعوب تدفع فاتورة صراع
لا .. ناقة لها فيه ولا جمل؟
نريد يمنًا سعيدًا كما عرفناه
وخليجًا آمنًا
وإيران جارةً لا مصدر تهديد
ومضائق مفتوحة للتجارة والسلام ومنطقة تتنافس دولها على البناء
لا .. على مدى الصواريخ ..
فالأوطان لم تُخلق لتكون
ساحات حروب ..
والشعوب لم تُخلق لتكون
وقودًا لها ..
اللهم
احفظ بلادنا وقيادتنا وشعبنا
واحفظ دول الخليج واليمن
وسائر بلاد العرب والمسلمين
واكفِ شعوب المنطقة شر الحروب والفتن ماظهر منها .. وما بطن
وردّ عنها كيد العابثين
واجعل السلام فيها سلام قوةٍ
وعدلٍ وطمأنينة
لا هدنةً بين حربين ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى