
تتكرر كل فترة، على منصات التواصل، قصة قصيرة عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تقول أن القضاة والأطباء والمهندسين طالبوا يومًا بمساواة رواتبهم برواتب المعلمين، فردّت عليهم بجملة واحدة: “كيف أساويكم بمن علموكم؟”. القصة جميلة، وتتردد صداها في نفس كل من يعرف قيمة معلمه الأول. لكن الأمانة تقتضي القول إنها، على الأرجح، لم تحدث و لا يوجد لها مصدر موثّق.
المفارقة أن هذه القصة أصابت شيئًا حقيقيًا، فالأمم التي تصنع تفوقها فعلًا لم تفعل ذلك بجملة مأثورة، بل بقرار سياسي طويل النفس، تعترف أن المعلم هو نقطة الاختناق الحقيقية لأي نظام تعليمي، وأن كل ما عداه من مناهج ومبانٍ وتقنيات إنما يُبنى فوق هذا الأساس أو ينهار بغيابه. والفرق بين الأمم التي تتقدم تعليميًا وتلك التي تراوح مكانها ليس في شعاراتها عن “قدسية الرسالة”، بل في سؤال أكثر جفافًا وأكثر جدية، من الذي يُسمح له أصلًا أن يقف أمام الأطفال؟
في فنلندا، لا يفتح باب كلية التربية إلا لمن يحمل من التفوق الأكاديمي ما يؤهله لأي كلية أخرى في البلاد، الأرقام تتحدث عن نفسها. يتقدم للبرنامج في جامعة هلسنكي نحو ألف طالب سنويًا، ولا يُقبل منهم سوى مئة، أي بنسبة قبول لا تتجاوز العُشر. وهذا الانتقاء الصارم لا يتوقف عند البوابة؛ فكل معلم فنلندي، أيًا كانت المرحلة التي يدرّسها، مُلزم بحمل درجة الماجستير قبل أن يدخل الفصل. النتيجة مجتمع لا يرى في مهنة التعليم خيارًا احتياطيًا لمن لم يجد بابًا آخر، بل يراها من أرفع المسارات المهنية طموحًا وتنافسية.
سنغافورة سلكت الطريق نفسه من زاوية مختلفة، التخطيط المركزي الدقيق، لا تفتح الدولة أبواب التدريب إلا لأفضل ثلث خريجي الثانوية، ثم تُخضعهم لعملية انتقاء تجمع بين السجل الأكاديمي والمقابلات الشخصية، فلا يعبر منها إلا واحد من كل ثمانية متقدمين تقريبًا. والأهم أن سنغافورة لا تُدرّب فائضًا من المعلمين على أمل أن يجد بعضهم عملًا؛ إنها تحسب احتياجها الفعلي كل عام، ولا تفتح من المقاعد إلا بقدر هذا الاحتياج. اختيار دقيق، يليه استثمار دقيق، يليه توظيف دقيق. لا فجوة بين حلقة وأخرى.
القاسم المشترك بين التجربتين ليس الثراء ولا حجم الإنفاق، بل فلسفة واحدة، المعلم ليس آخر من يُختار في السلسلة التعليمية، بل أولهم. وكل قرار لاحق في المنهج، وفي التقييم، وفي البنية المدرسية إنما يُبنى على افتراض أن الشخص الواقف أمام الطلاب هو الأفضل الذي استطاعت الدولة أن تجده، لا الأقرب الذي استطاعت أن تُقنعه بالبقاء.
لكن الانتقاء الصارم عند المدخل لا يكفي وحده. فمن اختير بعناية اليوم قد يبلى غدًا إن تُرك بلا سند، المعلم الفنلندي، بعد أن يجتاز الغربال الأكاديمي، يُمنح استقلالية واسعة في اختيار أسلوبه داخل الفصل ، ثقة تصونها المؤسسة ولا تراقبها بالتوجس، والمعلم في سنغافورة لا يُترك بعد التخرج ليتدبر أمره؛ فمساره المهني مُتابَع منذ سنته الأولى، وتُكتشف ملامح القيادة فيه مبكرًا، ليُهيَّأ لأدوار أكبر داخل المنظومة نفسها. بعبارة أخرى: الدعم هنا ليس حافزًا ماليًا معزولًا عن سياقه، بل مسار مهني كامل، يبدأ من لحظة القبول ولا ينتهي عند التوظيف.
هذا هو الفارق الجوهري بين الحكاية المتداولة عن ميركل وبين الحقيقة الأصعب التي تكشفها التجارب الفنلندية والسنغافورية، القصة تكتفي بلحظة تكريم رمزي، بينما الواقع يطلب بنية كاملة، بوابة دخول صعبة، وتدريب عميق، ومسارًا للنمو، ومكانة اجتماعية لا تُمنح بالخطاب بل تُبنى بالممارسة على مدى أجيال.
مع عودة المعلمين هذه الأيام إلى مدارسهم بعد إجازة الصيف، يستحق هذا السؤال أن يُطرح بجدية، لا بمناسبة عاطفية عابرة، من الذي نختاره أصلًا ليقف أمام أبنائنا؟ وما الذي نقدمه له بعد أن يقف؟ فالإنسان الذي يبني الأجيال يستحق أن يُبنى هو نفسه، أولًا اختيارًا وتأهيلًا واحتضانًا،
قبل أن نطالبه ببناء غيره. وتنمية أي مكان، في جوهرها، لا تبدأ من الأبنية ولا من المناهج، بل من ذلك الإنسان الذي نضعه أول كل صف دراسي، ونصنع له الطريق ليبقى فيه لا ليهرب منه.



