المقالات

العِشرَة تتكلّم

غالبًا ما نتحدَّث عن العِشْرَةِ بين الزوجين، أو عن عِشْرَةِ الصُّحبة، ولكنَّ هناك عِشْرَةً أُخرى تتحدَّث عن نفسها، ولا يلتفت إليها إلا القليل.

إنَّها العِشْرَةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ.

فإذا كان الطلاق نهايةً للعلاقة الزوجية، فليس بالضرورة أن يكون نهايةً للمروءة، ولا للإحسان، ولا لجميل العِشْرَة.

فالعِشْرَةُ تتكلَّم، و هي حاضرة في الكثير من المواقف في حياتنا الأسرية..

فعند المرض، تُوصِي الأمُّ أبناءَها بالإهتمام بأبيهم، ويُوصِي الأبُ أبناءَهُ بِبِرِّ أُمِّهِم.

وعند خِطبة الإبنة، يقول الأب: خُذُوا رَأْيَ وَالِدَتِكُمْ، فَهِيَ أَعْرَفُ بِابْنَتِهَاِ..

وعند الحاجة إلى إقناع الأب، تقول الأم: حَدِّثُوا أَبَاكُمْ بِمَا يُحِبُّ، وَاذْكُرُوا لَهُ مَا يُؤَثِّرُ فِي قَلْبِهِ، ثم تسرد من ذكرياتهما ما كان جميلًا، وما كان صعبًا، فتظل تلك الأيام شاهدًا على عشرةٍ لم تمت.

وعند تقصير الإبن أو عصيانه، يسعى الأقربُ إلى قلبه في نصحه، بعيدًا عن تصفية الحسابات.

وعند الفقد، يبكي كلٌّ منهما على والدِ الآخر، وفاءً لسنواتٍ جمعتهما.

وعند الموت، قد يفتح أحدُهما بيته لإستقبال عزاء الآخر، وفاءً للعِشْرَة، ورحمةً بالأبناء، وإكرامًا لماضٍ كان بينهما.

وليس هذا فحسب..

فمن كان منهما صاحبَ عقلٍ وحكمة، بقيت توجيهاتُه نبراسًا يُهتدى به، حتى بعد الطلاق،

ومن كان صاحبَ مروءةٍ و وفاء، وقف مع الآخر من وراء الستار، لا ينتظر شكرًا، ولا ينساه من صالح الدعاء.

ذلك لأنَّ الكرام لا تُغيِّرهم الخصومات، ولا تُسقطهم النهايات.
وقد يكتب الله فيطول وفاء عشرة لطلاق، وتقصر عشرة زواج بفقد أحدهما، وفي كل ذلك حكمة إلهية.

وقد أرشد القرآن إلى هذا الخُلُق العظيم، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].

وقال سبحانه:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].

وقال جلَّ وعلا في شأن الطلاق:

﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].

وقال النبي ﷺ:

«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».

وقال ﷺ:

«لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ».

فهكذا تتحدَّث العِشْرَة، بلا صوتٍ، ولا ضجيج، ولكن بلغة الوفاء، والإحسان، وحسن العهد..
و ليس ختاماً، أين نحن في زمن تتنامى فيه حالات الطلاق، المؤدي بلا شك إلى هدم المجتمعات، إذ الأسرة هي البنية الأساس في المجتمع الكبير، بل أين نحن من الهدي الإلهي و السيرة النبوية، في تعاملنا الأسري وطيب العشرة من قبل ومن بعد، ولنتفق معاً بأن حسن العشرة من شيم المروءة والأخلاق الإسلامية،التي فطرنا عليها إقتداءً بالهدي النبوي، و الشمائل المحمدية، عليه أفضل الصلاة والسلام وآله وصحبه أجمعين..

• كاتبة ومستشارة أسرية
• باحثة في أسماء الله الحسنى وأعمال القلوب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى