المقالات

المسافةُ تحرير: ماذا يعلمنا «الأصغر سنًا» عن مطبخ النشر؟

«العمل: أُحرر، أُحرر، أُحرر.»
— روبرت غوتليب، القارئ النهم.

أعدتُ اشتراك “نتفلكس” لمشاهدة وثائقي سيمور هيرش «فضائح خفية». قال ضاحكًا: “إن بعض الحقائق الاستقصائية لا ترى النور إلا بعد رحيل أصحابها”؛ حديثٌ عن الثقة، وعن أسرارٍ لا تجد مرفأً آمنًا إلا في الصدور.
انتقلتُ بعدها إلى مسلسل «الأصغر سنًّا» (Younger)، ولم أكن أعلم أنني سأغادر الصحافة إلى سؤالٍ يمسّ عصب اهتمامي: هل التحرير الأدبي مشروع حياة؟
أنهيتُ المواسم السبعة في أسبوعين؛ أتتبّعُ هشاشة ما يُسمّى “الوسط الثقافي”، ومصائرَ تقف على ضفاف الاحتمالات: خطوةٌ تغيّر سيرة، زلةُ علاقةٍ تبدّل مسار كتاب، ومحررٌ يختفي… فيميل النصُّ عن مركزه. هل هو “فرض عين” على كل مهتم بالتحرير، كما أن مسلسل «So Long, Marianne» فرض كفاية على كل مهتم بالكتابة؟
*

تقوم الحبكة على كذبة: امرأة في الأربعين تحوّر عمرها لتبدو ابنة ست وعشرين كي تُقبل في عالم النشر النيويوركي. مفارقةٌ تُعرّي واقعًا تتجاوز فيه القيمةُ حدودَ الخبرةِ لتُقاسَ بالقدرةِ على التماهي مع إيقاع السوق.
هنا يتجلّى رأس مال العلاقات الأمريكي؛ مجتمعٌ واسع الأطياف، كثرةُ مشاربٍ، وتراكمُ خبرةٍ بلغَ الترف، ثم انفلت إلى ما يشبه الفوضى. كل شيءٍ سائل: علاقة، وظيفة… لهذا يبدو النشر جزءًا من السوق قبل أن يكون جزءًا من المكتبة.
*

لطالما آمنتُ أن التحرير مرافقة؛ امتدادٌ لخيمة النابغة في عكاظ، ومجالسِ العلم حيث تمتزج المعرفة بالملازمة.
غياب القارئ “الخبير” في واقعنا جعل نصوصنا تخرج من قوالب جاهزة، تفتقر لـ “الكتلة الحرجة” التي تصنع الفرق.
في تجربةٍ سابقة، قلبتُ كتابًا رأسًا على عقب. لم يبدأ الأمر بمشرط الحذف، إنما بجلسةِ مكاشفةٍ مع كاتبٍ يسردُ ما ظنّه خارج نطاق كتابه؛ يتحدث عن تعثّر الفكرة، وخوفها من النمو، وعن تفاصيلَ بدتْ هامشيةً لتتجلى لاحقًا كنواةٍ للنص.
تلك “الاعترافات” فجرت طاقات مسوّدةٍ خديجة. عندها أدركتُ عمق فكرة دايفيد فونكينوس في روايته «الرقة» عن “القراءة المزدوجة”؛ فالمحررُ يتجاوزُ المكتوبَ ليستنطقَ “الممكن” و”المتخيل” و”الروح” القابعة في لحظة كثافةٍ نادرة.
التحريرُ يتعدى حدود النص ليحدث قبله، وحوله، وبعيدًا عنه أحيانًا؛ هو شكلٌ من أشكال العناية؛ وقتٌ يُبذل، صبرٌ، وخدمةٌ ترى المناطق العمياء الأقرب للكاتب من حبل وريد أفكاره. غوتليب يلمّح إلى هذا: “قراراتٌ خارج السطر قد تقرّر مصير الكتاب”.
*

ملصق مسلسل «الأصغر سنََّا» لا يوحي بفحواه، غير أن تتبّع الأسماء والمكتبات يفتح قائمة زيارات ثقافية لنيويورك. ويجرّ سؤالًا: هل تغني المشاهدة عن ترحالٍ أُؤجّلهُ إلى مقر صحيفة نيويورك تايمز؟ أم أنني وقعتُ فيما أنتقده واستبدلتُ اللقاء الفيزيائي بمتعة المشاهدة؟
التحرير، في جوهره، تماسٌّ بين وعيين، يصوّره غوتليب بمشهد جرّاحين ينحنيان فوق رأس مريضٍ مخدّر؛ حيث يتلاشى ضجيجُ “الأنا” لصالح نجاة جسد النص. المهمّ هو انعدام الدفاعية؛ محرر يتكلم بحرية، كاتب يسمع بحرية، والنصّ يتحوّل إلى مساحة عمل، متجردًا من ساحات الكرامة الشخصية.
في زمن الذكاء الاصطناعي، تستطيع الآلة أن تقترح وتصحّح، وتظلّ عاجزةً عن فراسة الفهم وحدس الربط الذي يجمع غير المتوقع ويضبط اتّساق السياق. إن غياب العين الأخرى يُفقدنا البوصلة؛ تمامًا مثل بطل كمال الأجسام وليام بوناك في «مستر أولمبيا 2019»؛ فحين انفصل عن مدربه نيل هيل، أُقصي عن اللقب رغم بلوغه أفضل مستوىً عضلي.

التحرير هو الوضع الطبيعي للكتابة، يمنح النص شَساعته بحسٍ سليم لا يُشترى. وكما يشير حسين بافقيه فإن النقد يتجاوز حيز المهنة المكتسبة، ليكون موهبةً وخبرةً وحسًّا بالنص. في هذا المعنى، يكون النقد عُدّة التحرير، وإحدى طبقاته.
*

تكرّر استدعاء جوناثان فرانزن في «الأصغر سنًّا» كأيقونةٍ للوقار الأدبي، فارتدَّ الذهنُ إلى مشهدٍ حيٍّ من معرض الرياض الدولي للكتاب عام 2023. كان صاحب رواية «التصحيحات» يستعدُّ لندوته في قاعةٍ غصّت بطوفانٍ بشريٍّ احتشد للقاء أبطال مسلسل «شباب البومب». انقضى لقاؤهم، ففتح الممر فمه لتبادل الأدوار؛ تسرّب الزحام، وتبدّلت الوجوه، لندخل إلى مقاعدَ شاغرة. المكانُ الذي ارتجَّ للتوّ بجمهور الكوميديا الشعبية، تهيَّأ في سكونه لنوعٍ فنيٍّ آخر. هكذا تُقرُّ المساحاتُ باتساع المشهد؛ تتناوبُ الفنونُ على المقاعدِ ذاتها، وكلٌّ ميسّرٌ لغايته.
*

المسلسلُ كوميديا رومانسيةٌ يمرر رسائلَ أرفضها، لكنّهُ فعلَ ما عجزت عنهُ الملحميات؛ منحني شيفرةَ الدخولِ إلى مطبخِ النشر والمجتمع. فبينما تصهرُ الأعمالُ الأمريكية العظيمةُ اليوميَّ لتبلغَ غاياتِها الكبرى، يكتفي هذا العملُ بكشفِ التروسِ والبراغي؛ تلك التي يراها الأمريكيُّ مسلّماتٍ، وأراها فوارقَ كاشفةً لملامح الصناعة وتفاصيل العيش. هنا ألمعيةُ العمل المتوسط: يمنحُ العاديَّ حقَّ الحضور، متخففًا من عبءِ التأبيد.
*

يعود حلم الاكتشاف: أن تقع على كاتبٍ في لحظة تجلّيه، تخدم نصّه، ثم ترى “الشيء غير المتوقع” يحدث فعلًا. أطمعُ في مرافقة نصٍّ إلى مداه؛ ليرقى منصة جائزة الملك فيصل أو نوبل، فكما يقول غوتليب: «الأشياء غير المتوقعة هي التي يعيش الناشرون من أجلها».
لكن الندم يعلّم الحلم حدوده؛ فغوتليب، الذي مرّت تحت يده السيرة الذاتية للرئيس بيل كلينتون ورواية «الخدعة 22» لجوزيف هيلر، ظلّ يحمل وخزة رفض مسودة رواية «تحالف الأغبياء» لجون كينيدي تول؛ الذي انتحر قبل أن يرى عمله يفوز بجائزة «البوليتزر». يتحرك التحرير، مثل الحياة، في مسافة غير محصّنة بين الصواب والخطأ.

تُصلح وصيّة غوتليب ميزانًا: «عودوا إلى كتّابكم فورًا! إنه كتاب الكاتب، وليس كتابك أنت!». التحرير في جوهره عملية “مساعدة على الولادة”، كما وصفه أستاذ الكتابة في مسلسل (Party of Five):
«أقول لها متى تدفع، ومتى تدير كتفها، لكن الطفل، في النهاية، طفلها».

فواز العباد

مراجعات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى