في 30 يوليو 2023، كتبتُ (هنا) في صحيفة مكة الإلكترونية مقالًا بعنوان: **«مين ينصفني منك؟»**، تناولتُ فيه غياب الشفافية في بعض جوانب العمل، وهياكل تنظيمية بدت أحيانًا امتدادًا لنماذج قديمة بأسماء جديدة، رغم النقلة النوعية من نظام المؤسسات إلى نظام الشركات لأرباب الطوائف. يومها، لخّص البعض المشهد بعبارة: «سعيد أخو مبارك».
واليوم، وفي ظل الحديث عن الطرح المرتقب لشركات تقديم خدمات حجاج الخارج في سوق الأسهم السعودية، مع عدم تحديد موعد رسمي للطرح العام حتى الآن، إلى جانب تحديد بعض الطروحات المغلقة بين المساهمين المعنيين في الشركات ذات الصلة، يعود السؤال من جديد: هل تغيّر الجوهر فعلًا، أم تبدّل الشكل وبقيت العقلية كما هي؟
الصورة، مع الأسف، لا تزال ضبابية في جوانب عدة، رغم أن التحول إلى شركات مساهمة لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة لرفع الكفاءة، والارتقاء بالخدمات، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع الأثر الاقتصادي.
غير أن أي طرح في السوق المالية لا يحتمل التجميل أو الخطاب الإنشائي؛ فالسوق لا ينظر إلى الشعارات، بل إلى الأرقام، واستدامة الإيرادات، وكفاءة الإدارة، ووضوح العلاقة بين الملكية والتنفيذ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى وقفة صريحة قبل الإقدام على هذه الخطوة؛ فالطرح الحقيقي لا يبدأ من السوق، بل من الداخل.
تعارض المصالح ، أول ما ينبغي الانتباه إليه هو تعارض المصالح. فعندما تتداخل المصالح الشخصية أو الفئوية مع القرار الإداري، تصبح الحوكمة مهددة، وتفقد الشركة قدرتها على تمثيل جميع المساهمين بعدالة.
فالمستثمر لا يدخل السوق لتمويل شبكة من المصالح، بل للمشاركة في كيان منضبط يحافظ على حقوق المساهمين، ويوزع الفرص، ويعظّم العائد وفق قواعد واضحة وشفافة. لذلك، فإن الفصل بين القرار والمصلحة ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرط أساسي لبناء الثقة واستدامتها.
كما أن الأنظمة الأساسية لهذه الشركات تتضمن مجالات استثمارية واسعة، تشمل العقار والسياحة والتموين والخدمات اللوجستية وغيرها، بما يتيح لها التحول إلى كيانات اقتصادية تعمل على مدار العام.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اتساع النصوص النظامية، بل في تفعيل هذه الأنشطة على أرض الواقع. فبقاء تلك الإمكانات معطلة يعني أن الشركة لا تزال أسيرة الموسمية، وأن فرصة بناء تدفقات مالية مستمرة لم تُستثمر بعد بالشكل المطلوب.
هياكل تحتاج إلى مراجعة ، الأخطر من ذلك هو استمرار بعض الممارسات القديمة، مثل تضخم الهياكل الإدارية، وتعدد الكيانات الداخلية، وتكرار المناصب، بما يرهق الميزانيات ويضغط على العوائد.
فالطرح في السوق لا ينجح بالشكل المؤسسي وحده، بل بقدرة الشركة على تقديم نموذج تشغيلي رشيق يتصف بالمرونة ، يربط الإنفاق بالإنتاج، والمكافأة بالإنجاز، والمناصب بالمسؤولية والكفاءة، لا بالمجاملة أو الاستحقاق التاريخي.
إن المرحلة المقبلة تتطلب من مجالس الإدارات مراجعة جذرية لأسلوب العمل، لا مجرد تجميل شكلي. والمطلوب هو تفعيل الأنشطة الاستثمارية المعطلة، وضبط الهياكل التنظيمية، وبناء نموذج يوازن بين رضا الحاج بوصفه العميل الأساسي، وحقوق المساهم بوصفه شريكًا في رأس المال.
فالشركة التي تدخل السوق بعقلية الأعمال الموسم فقط لن تصمد طويلًا، أما الشركة التي تتعامل مع الطرح بوصفه بداية مرحلة جديدة، فبإمكانها أن تتحول إلى كيان اقتصادي حقيقي، لا مجرد اسم مدرج في السوق.
السؤال الأهم ؟
إن الابتعاد عن تعارض المصالح هنا ليس مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة لتحقيق الاستدامة، وجذب المستثمرين، وتعزيز الثقة. فالسوق لا يكافئ التداخلات أو المجاملات، بل يقدّر الوضوح والانضباط والنتائج القابلة للقياس.
اخيرا :-
ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستدخل شركات تقديم خدمات حجاج الخارج سوق الأسهم السعودية، عند اكتمال إجراءات الطرح العام، بعقلية مؤسسية تقوم على الشفافية والكفاءة والمساءلة؟ أم سنجد أنفسنا نكرر السؤال القديم بصيغة جديدة «مين ينصفني منك؟»؟





