المقالات

بين أمجاد الماضي وصناعة المكانة في الحاضر

من حق الإنسان أن يعتز بأصله وقبيلته، وأن يفخر بما ثبت لأسلافه من شجاعة وكرم ونخوة ومواقف مشرفة. فالقبيلة جزء أصيل من تاريخ مجتمعنا، وحفظ مآثر الرجال والوفاء لهم أمر محمود، ما دام الاعتزاز بالتاريخ منضبطًا بالحقيقة ولا يتحول إلى تعصب أو انتقاص من الآخرين. لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين حفظ التاريخ وصناعته، وبين الاعتزاز بالأصل والتعصب له، وبين إنزال الرجال منازلهم ومنحهم بعد رحيلهم ألقابًا ومكانات لم يُعرفوا بها في حياتهم.وما يدعو إلى التأمل اليوم هو التوسع في بعض المجالس ومنصات التواصل في إطلاق أوصاف «الشيخ» و«الفارس» و«الزعيم»، حتى أصبح الأمر عند البعض أشبه بسباق اجتماعي: من كان جده شيخًا؟ ومن كان جده فارسًا؟ ومن أكثر وجاهة؟ ثم تتناقل الحسابات هذه الادعاءات حتى يُراد لكثرة تداولها أن تتحول إلى حقائق تاريخية.

الفروسية والمشيخة في زمانهما

إذا أردنا فهم حقيقة الفروسية والمشيخة، ينبغي أن نتذكر الظروف التي نشأت فيها تلك المكانات والأدوار قبل توحيد المملكة. فقد كانت الجزيرة العربية تعيش واقعًا مختلفًا؛ للقبائل زعاماتها، وللفروسية دورها في زمن كانت فيه الحماية والدفاع والنزاعات جزءًا من طبيعة الحياة. وكان الفارس يُعرف بمواقفه، والشيخ تعرفه جماعته، والزعامة يعرفها أهل زمانها. ثم جاء الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – فوحّد البلاد بعد فرقة، وجمع أبناءها تحت راية دولة واحدة وقيادة واحدة، وأنهى حالة التنازع وتعدد مراكز القوة، فأصبحت السيادة للدولة والأمن مسؤولية مؤسساتها. ومع قيام الدولة، حُفظت مكانة أصحاب الزعامات والمشيخات المعروفة في قبائلهم، وتعاملت الدولة مع من عرفتهم بهذه الصفة، وكانت الوثائق والمخاطبات والأختام الرسمية وغيرها من وسائل ذلك الزمن شواهد على المكانة والصفة التي عُرفوا بها. وهنا يبرز السؤال: إذا كان أصحاب المشيخة والزعامة معروفين لدى قبائلهم، وعرفتهم الدولة وتعاملت معهم في زمانهم، فمن أين ظهرت بعد أجيال مشيخات جديدة لم يعرفها أهل زمانها ولا تشهد لها الوقائع والوثائق التاريخية، ثم يُراد من المجتمع التسليم بها لمجرد كثرة ترديدها؟

ومن صور الخلط كذلك عدم التفريق بين المشيخة القبلية والوظيفة أو التكليف الإداري للدولة. فقد عيّنت الدولة عبر مراحل مختلفة رؤساء للمراكز ومُعرّفين للهجر، وأسندت إليهم مسؤوليات إدارية وأمنية واجتماعية لخدمة الدولة وسكان تلك المناطق، وهي خدمة مقدرة وشرف لأصحابها، شأنها شأن سائر الوظائف والمسؤوليات العامة. لكن تعيين شخص رئيسًا لمركز أو تكليفه مُعرّفًا لهجرة لا يعني بذاته أنه أصبح شيخًا لقبيلة، ولا أن أسرته أصبحت «بيت مشيخة»، ولا أن الوظيفة الحكومية تتحول بمرور الزمن إلى مشيخة وراثية تنتقل إلى الأبناء والأحفاد. فالوظيفة شيء، والمشيخة القبلية التاريخية شيء آخر. ومن غير المنطقي أن يكون الجد معروفًا في زمانه بصفته «رئيس مركز» أو «مُعرّف هجرة»، ثم يأتي الأحفاد بعد عقود فيحولون صفته الوظيفية إلى «شيخ»، ثم يصبح أبناؤه «أبناء الشيخ»، ومع كثرة التكرار تتحول الأسرة إلى «بيت مشيخة». فلا نسلب بيت مشيخة معروف مشيخته، ولا نمنح بيتًا آخر مشيخة لم تكن له.

عندما تُصنع المكانة إعلاميًا

أصبحت صناعة الصورة الاجتماعية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أسهل من أي وقت مضى؛ صورة تتكرر، ولقب يُكتب، ومقطع يعاد نشره، وشخص يقدم في المناسبات بصفة «الشيخ»، حتى يأتي من بعد ذلك من يتعامل مع هذا التراكم الإعلامي وكأنه حقيقة تاريخية. لكن التكرار قد يصنع شهرة، ولا يصنع حقيقة. ومن لم تثبت له المشيخة ولم يُعرف بها بين أهل زمانه، فلن ينشئها له الإعلام بعد أجيال؛ فالتاريخ لا يُكتب بعدد المشاهدات، والصفة لا تصبح حقيقة لمجرد شيوعها في وسائل التواصل. ويرتبط بذلك ما نراه أحيانًا من حرص البعض على الحضور المبكر للمناسبات بحثًا عن مكان في صدر المجلس، أو اختيار الموضع الأبرز أمام الحضور والكاميرات رغبة في إظهار قدر أو وجاهة. وهنا ينبغي التفريق بين من يقدمه الناس احترامًا لسنه أو علمه أو مكانته المعروفة، وبين من يسعى بنفسه إلى صناعة هذه الصورة. فأهل القدر تعرفهم المجالس ويحفظ الناس منزلتهم أينما جلسوا. صدر المجلس لا يصنع شيخًا، والجلوس في المقدمة لا يمنح الإنسان مكانة لم يمنحه إياها تاريخه ومجتمعه. ومن كان صاحب قدر فلن ينقص قدره آخر المجلس، ومن لم تكن له مكانة فلن يصنعها له المقعد الأول. وقد أسهم بعض مشاهير سناب شات والحسابات المهتمة بالمناسبات والقبائل ـ بقصد أو بغير قصد ـ في تعزيز هذه الظاهرة، من خلال تعمد إبراز أشخاص بعينهم، وتصويرهم في صدور المجالس، وتكرار ظهورهم وتقديمهم بألقاب وأوصاف توحي للمتابع بأنهم أصحاب مشيخة أو زعامة.

ومع تكرار الصورة يبدأ الانطباع المصنوع في التحول لدى البعض إلى حقيقة، ثم تبدأ المنافسة: إذا أبرز حساب شخصًا بوصفه شيخًا، ظهر من يبحث عن شيخ مقابل، وآخر عن فارس، وثالث عن لقب أو قصة من الماضي، فتتحول المنصات من وسيلة للتواصل إلى ساحة للمفاخرة والمنافسة القبلية. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن المسألة قد تتجاوز لقبًا يسبق اسم شخص إلى إحياء النعرات والعصبيات القبلية المقيتة: من أفضل من؟ ومن يتقدم على من؟ ومن شيخ من؟ ومن أكثر فرسانًا ووجاهة؟ وهي أسئلة لا تبني مجتمعًا ولا تصنع مستقبلًا. ولهذا فإن على مشاهير التواصل والمصورين وأصحاب الحسابات القبلية أن يدركوا مسؤولية ما ينشرونه؛ فالكاميرا قد تصنع شهرة، لكنها لا تصنع تاريخًا، وصدر المجلس قد يصنع صورة، لكنه لا يصنع مشيخة. ومن لم تُعرف له المشيخة تاريخيًا، فلن تُشيّخه كاميرا سناب، ولن تُشيّخه كثرة الصور والمقاطع. والفروسية لا تُصنع بأثر رجعي، وما يقال عن المشيخة يقال عن الفروسية.

فالفارس الحقيقي صنع اسمه بمواقفه وفي زمانه، وعرفته الوقائع والرجال، ولم يكن ينتظر حفيدًا يأتي بعد عقود ليمنحه صفة الفارس. أما أن يتحول كل جد إلى فارس، وكل وجيه إلى شيخ، وكل قصة عائلية إلى واقعة تاريخية، فذلك لا يحفظ تاريخ القبائل، بل يسيء إليه؛ لأن التاريخ حين تختلط فيه الحقيقة بالمبالغة يفقد قيمته . فلنترك للفرسان الحقيقيين فروسيتهم، وللشيوخ الحقيقيين مشيختهم، ولكل رجل ما ثبت له دون زيادة أو نقصان.

القبيلة محل اعتزاز.. والعصبية محل رفض

قبائلنا جزء أصيل من تاريخ المملكة ونسيجها الاجتماعي، والاعتزاز بها وبأنسابها وتاريخ رجالها أمر محمود ما دام في حدوده الطبيعية. لكن الاعتزاز شيء، والعصبية والاستعلاء على الآخرين شيء آخر. ليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن قبيلته أو تاريخ أسرته، وإنما أن يدرك أن الانتماء الأكبر الذي يجمع الجميع اليوم هو الوطن. فمنذ توحيد المملكة أصبحت القبائل جميعها جزءًا من دولة واحدة، وأبناؤها اليوم يعملون جنبًا إلى جنب في مختلف الميادين لبناء وطن واحد. وهذه من أعظم ثمار التوحيد التي يجب أن نحافظ عليها. لنتوقف عن البحث عن مكانتنا في الماضي، علينا أن نعي ونرتقي بخطابنا، وأن ندرك أن الأمم لا تبني مستقبلها بالبحث في الماضي عن لقب أو مكانة اجتماعية، وإنما بما يقدمه أبناؤها في حاضرهم من علم وعمل وإنجاز. علينا أن نحترم الماضي، لكن لا نسكن فيه . و نحفظ التاريخ، لكن لا نصنعه. نعتز بأسلافنا، لكن لا ننسب إليهم ألقابًا ومكانات لم يُعرفوا بها في حياتهم. ونكرم أهل المكانة، لكن لا نصنع مكانة إعلامية لمن لم تكن له.

لقد وحّد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – هذه البلاد، وجمع أبناءها تحت راية واحدة ودولة واحدة وقيادة واحدة، ومن واجبنا المحافظة على هذا الإرث العظيم، لا أن نعيد عبر وسائل التواصل إحياء منافسات وعصبيات تجاوزها مشروع التوحيد. واليوم، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – تمضي السعودية نحو مستقبل طموح في الاقتصاد والعلم والتقنية والاستثمار والتنمية، وتفتح لأبنائها ميادين واسعة للإنجاز. فليكن تنافسنا هناك. لنتنافس فيمن يخدم وطنه أكثر، لا فيمن كان جده أشهر. ولنتنافس في العلم والعمل والإنجاز، لا في صناعة ألقاب الماضي. وليتباهَ أبناؤنا غدًا بما صنعناه نحن، لا بما ادعيناه لأسلافنا. لدينا جيل يستحق أن نورثه الطموح لا العصبية، والإنجاز لا المفاخرة، والوحدة لا التنازع. ومسؤوليتنا جميعًا ـ أفرادًا وأسرًا وإعلاميين ومشاهير تواصل ـ أن نحافظ على تماسك مجتمعنا، وأن نرفض كل خطاب يعيد تصنيف الناس على أساس مشيخة أو فروسية أو وجاهة مصطنعة. فالمملكة أكبر من هذه المنافسات، ووحدتها أعظم من كل لقب. لا مشيخة إعلامية تبني وطنًا، ولا صدر مجلس يصنع مجدًا، ولا كاميرا تصنع تاريخًا. لقد صنع أسلافنا تاريخهم بأفعالهم؛ فلنترك لهم تاريخهم كما صنعوه، ولنصنع نحن تاريخنا بأفعالنا. ولنترك التنافس على مقاعد الماضي، ولنتنافس على مواقعنا في المستقبل. وطن واحد، وراية واحدة، وقيادة واحدة، ومستقبل نصنعه جميعًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى