«طلاليات».
للوطن في القلوب منزلة لا يشاركها فيها شيء، فهو البداية التي منها انطلقت الحكاية، والنهاية التي تظل الأرواح مشدودة إليها مهما ابتعدت المسافات. وحين يذكر الوطن، تتحدث الذاكرة عن طفولة عشناها بين جنباته، وعن أرض احتضنت خطواتنا، وسماء أظلّتنا، وهواء تنفسناه، وماء ارتوينا منه، وخيرات نعمنا بها، وأمن عشنا في ظلاله مطمئنين.
والوطن ليس ثروةً تُقاس بما في باطن الأرض من كنوز، بل بما في قلوب أبنائه من وفاء، وما في عقولهم من علم، وما في سواعدهم من عمل. فالأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالإخلاص، وتزدهر بالعدل، وتعلو بالإنتاج، وتحيا حين يجعل كل مواطن مصلحة وطنه فوق كل اعتبار.
وإذا كان لكل أمة وطن تعتز به، فإن المملكة العربية السعودية تحمل مكانةً استثنائية بين الأمم. فهي أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، ومنبع الرسالة، ومهبط الوحي، ومنها انطلق نور الإسلام ليبدد ظلمات الجهل، ويهدي البشرية إلى قيم الرحمة والعدل والتسامح. ولذلك لم يكن شرفها في تاريخها وحده، بل في رسالتها المستمرة تجاه العالم الإسلامي وخدمة ضيوف الرحمن.
لقد منَّ الله على هذه البلاد بقيادة جعلت خدمة المواطن، ورعاية المقدسات، وبناء المستقبل، ركائز ثابتة في مسيرة الوطن. فكانت الإنجازات تتوالى، والتنمية تمتد إلى كل مدينة وقرية، حتى أصبحت المملكة مثالًا لدولة تجمع بين أصالة الماضي وطموح المستقبل، وتسير بخطى واثقة نحو مزيد من التقدم والريادة.
إن مسؤولية المحافظة على الوطن لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي واجب كل مواطن ومواطنة. تبدأ من الأسرة، وتترسخ في المدرسة، وتنمو في المجتمع، وتظهر في احترام الأنظمة، وإتقان العمل، والمحافظة على الممتلكات العامة، والتصدي لكل ما يمس أمن الوطن ووحدته. فالوطن حين يمنح أبناءه الأمن والاستقرار، يستحق منهم الوفاء والبذل والعطاء.
وسيظل الوطن هو البيت الكبير الذي يجمعنا والراية التي نوحد حولها الصفوف، والقيمة التي تسمو فوق كل قيمة.
وما أجمل أن يرحل الإنسان عن الدنيا وقد ترك في وطنه أثرًا طيبًا، أو علمًا نافعًا، أو عملًا صالحًا، أو كلمةً صادقة أسهمت في بناء وطنه ورفعته.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والإيمان، ووفق قيادتها الرشيدة لكل خير، وجعلها دائمًا وطنًا للعزة والكرامة، ومنارةً للإسلام، وموطنًا للمجد الذي لا ينطفئ.
وفي حب الوطن يقول الشاعر
وطني، إليكَ من الفؤادِ تحيّةٌ
تبقى على مرِّ الزمانِ نشيدَا
أرضُ الكرامةِ والمجدِ الذي
في كلِّ قلبٍ للوفاءِ يزيدَا
فيكِ انتمائي، فيكِ عزّي كلُّهُ
وبكِ أرى للمكرماتِ خلودَا
إن قيلَ من وطنِ المحبةِ موطني؟
قلتُ: السعوديةُ، فخرًا مجيدَا
أرضُ الحرمينِ التي في ظلّها
يحيا الأمانُ ويستقيمُ رشيدَا
نبقى على عهدِ الوفاءِ لدارِنا
ما دام فينا للوفاءِ وريدَا



