
مكة المكرمة /14 شعبان 1432هـ
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد المسلمين بتقوى الله وحذرهم من الفتن وكل ما يصرفهم عن طريق الصواب .
وقال فضيلته في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام إن من منّة الله على أهل الإسلام أن وحّد لهم مصدر التلقي فلا تذبذب ولا اضطراب في تلقي حقائق العقائد والأحكام وسبل الهدى ، فالمصدر هو الوحي المعصوم الثابت بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأضاف يقول إن من معالم الهدى أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين يخبرنا عن حلول الفتن واضطراب الأحوال وأنباء الهرج والمرج وحوادث آخر الزمان وأشراط الساعة فليس من أجل التخويف والإنذار وحده ، ولا لمجرد الإخبار باقتراب آخر الزمان ، بل لأجل الاشتغال بالعمل وبذل مزيد من الصالحات .
ودعا إلى التأمل فيما تفعله وسائل الإعلام في صرف الناس وانشغالهم بمتابعتها ليلا ونهارا ، يشغل بها المبتلى نفسه وفكره وأصحابه في تحليلات وتعليلات وتخيلات وهو ليس فيها من قبيل ولا دبير ، متسائلا هل هذا خير أم انصراف المرء إلى الإحسان في عمله ومسؤولياته المؤتمن عليها والمسؤول عنها والمحاسب عليها .
وأكد ان العبادة في أزمان الفتن تتجلى في البناء والاشتغال بالعمل الصالح والعبادة والإصلاح ونصرة الدين وجمع الكلمة والتحذير من الفرقة في أبواب من عمل الخير وأنواع من العبادات الواسعة المفتوحة من صلوات وصدقات وصيام وحج وعمرة وزيارة وإحسان في المعاملات وصدق في العلاقات وصفاء في القلوب وحب في الخير والنصح وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر .
وأورد أن من معالم الهدى أن لا تربط كل حادثة كبرى أو نازلة عامة أو واقعة غريبة بنص شرعي او خبر سمعي ، فقد تحصل الواقعة وتنزل النازلة ولا يقابلها نص ، وقد يرد النص ولم يقع تأويله بعد ، وقد حدثت في تاريخ الأمة الطويل أحداث جسام وواقعات عظام لم يتكلف السلف بمقابلتها بالنصوص وإنما المطلوب العمل والأخذ بالأسباب ومدافعة الأقدار بالأقدار وحفظ الدين وحماية أهل الإسلام وأخذ الحيطة والحذر.
وأضاف يقول : وإن من معالم الهدى الثقة بأهل العلم وتقديرهم والعلم بأن براءة الذمة وسلامة الدين تحصل بالرجوع إليهم وسؤالهم فيجب توقيرهم وحفظ حقوقهم وتجنب الانتقاص من أقدارهم أو الحط من منازلهم ومقاماتهم وإن كانوا غير معصومين مشيرا إلى أن مما يحفظ حقهم البعد عن مجالس الجدال والوقيعة وبخاصة في أوقات الفتن التي يكثر فيها القيل والقال .
وقال : وأي فتنة أشد من أن ينتقص الناس من علمائهم والراسخين منهم والربانيين ليعجب كل ذي رأي برأيه فيشمر عن ساعده ويحسر عن ساقه ليقول ها أنا ذا ، لا يلتفت بعضهم إلى بعض ولا يرى بعضهم لبعضهم حقا ولا منزلة ولا علما ولا رأيا ، يتقدم الأصاغر على الأكابر ، كلهم يزعم أنه المتكلم في مصالح الأمة وأنه الذي يفهم واقعها ، وكلهم يرى أنه الأحق ليقود السفينة ، ناهيكم بالمتعجلين المتكلفين ممن لا يراعون الأصول وضبط القواعد .
وأوضح الدكتور صالح بن حميد أن حقيقة الفتنة هي كل ما يكشفه الابتلاء والامتحان ويتبين به حال المسلم من خير أو شر أو خوف أو امن أو ثبات أو اضطراب ، مبينا أن الفتن تنشأ من فهم فاسد أو نقل كاذب أو غرض منحرف أو هوى متبع ، والفتن يقع فيها ضعيف البصيرة قليل العلم لا سيما إذا اقترن بذلك سوء القصد وغلبة الهوى ، فهنا الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى .
وأردف أمام وخطيب المسجد الحرام أن من معالم الهدى في أجواء الفتن السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف ولزوم جماعة المسلمين والاجتماع على الدين والحذر من الفرقة وشق صف الأمة ، فالجماعة رحمة والفرقة عذاب ، وأكثر ما تتجلى عوامل الفرقة في أجواء الفتن والاضطراب في مسلكين هما البغي وسوء التأويل ، أما البغي فبمجاوزة الشرع ، وأما سوء التأويل فبتفسير من غير مستند شرعي صحيح .
وأوصى الشيخ صالح بن حميد المسلمين في ختام خطبته بالإخلاص والإحسان والنصح والصدق وترك ما يريب والتثبت فيما يسمع وينقل وعدم الاغترار بالكثرة في الموافقة والمخالفة والحذر الحذر من الاندفاع والحماس غير المنضبط مع لزوم الرفق والأناة والصبر وحفظ اللسان وصدق اللجوء الى الله والتوبة والإنابة والدعاء والاستغفار وحسن التوكل والاعتصام بالكتاب والسنة ، والعلم أن الصبر في الأزمات والحلم في النكبات والتثبت إذا ترادفت الضوائق والأناة إذا تكاثرت العوائق ، كل اؤلئك فرسان بإذن الله لا تكبوا وصوارم لا تنبوا وجنود لا تهزم وحصون لا تهدم واستجماع ذلك كله بعون الله لا تزيغ معه الأبصار ولا تطيش به الأحلام ولا تضل فيه الافهام بل تتبين الأمور بحقائقها والأحداث بدوافعها.






