المقالات

هرمز… لماذا يرمز؟

ليس كل اسمٍ يُطلق على مكانٍ يبقى مجرد عنوانٍ أو جغرافيا… بعض الأسماء تتحول إلى ذاكرة، وبعضها إلى تحذير. و”هرمز“ ليس مجرد مضيقٍ تعبره السفن، بل حكايةٌ تتكرر، وإذا نسي البشر فالماء لا ينسى.
يرمز “هرمز” عند الكثيرين إلى بوابة تجارة، وممر نفط، وشريان اقتصاد… لكنه في ذاكرةٍ أخرى، ، يرمز : إلى لحظةٍ كادت أن تُكتب فيها نهايةٌ بيد الغدر، لولا أن كُتب لها أن تُفضح.
فحين واجه هرمز القائد المسلم خالد بن الوليد، لم تكن المواجهة مجرد سيوفٍ تتقابل وعزيمة رجال، بل نوايا تتصارع. طلب هرمز المبارزة، وكأنها شرف الفرسان، لكنه أضمر ما ليس في ظاهر القول. وحين احتدمت اللحظة، بدا أن الغدر يمد يده ليحسم الأمر بهجومٍ مدبّر من فرسان الفرس على خالد… لولا أن القعقاع بن عمرو كان هناك، عينًا لا تنام، وسيفًا لا يتأخر. تدخل، فانقلب المشهد من مكيدةٍ إلى هزيمةٍ تجرّعها الفرس، وقُتل هرمز، وانتصر العرب في معركة ذات السلاسل.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الاسم عابرًا… بل صار رمزًا للغدر والخيانة؛ لأن الحادثة كان عنوانها : وعدٌ في العلن، ونيةٌ في الخفاء.
وتمضي القرون…
تتغير الأسماء، وتتعاقب الدول، لكن بعض السلوكيات تبدو وكأنها تُورّث كما تُورّث الأرض. ففي العقود الأخيرة، لم يكن التعامل مع إيران مجرد علاقةٍ بين دولتين ، بل سلسلة من الاختبارات: مرةً عبر وعودٍ تُطلق، ومرة عبر اتفاقاتٍ تُوقّع، ومرة عبر رسائل تهدئة… لكن على الأرض، كانت الصورة مختلفة: مؤامرات، وإنشاء أذرع لتنفيذها، وانقلاب على الوعود، وغدرٌ بالعهود.
الغرب نفسه، الذي ظنّ أنه قادر على احتواء اللعبة، وجد أنه يتعامل مع شريكٍ متعدد الوجوه: ، يبتسم في الإعلام، ويشد خيوط أذرعه في الظل مثل حزب الله وغيره ليشكلوا ضغوطًا. ولكن أول من يُضرب ويُهزم هم هذه الأذرع، ومع ذلك… الجاهل لا، ولن، يتعلم.
أما المملكة العربية السعودية، فقد كانت في قلب هذا الحدث . تعاملت بصبر وبحزمٍ حكيمٍ . حافظت على وطنها من الحروب المجنونة التي حطبها دماء الشعوب التي لا ذنب لها، وحافظت أيضًا على بنيتها التحتية من الدمار. وإضافةً إلى ذلك، فتحت أبوابًا للحلول حين أمكن، عبر اتصالاتٍ دبلوماسية لم تهدأ…
المملكة العربية السعودية تعاملت مع إيران على مدار عقود، وفي كل مرة كانت الحقيقة ذاتها تفرض نفسها : أن الحذر ليس خيارًا، بل ضرورة.
وهنا يحضرني قول الفرزدق:

وَأَطلَسَ عَسّالٍ وَما كانَ صاحِباً
دَعَوتُ بِناري موهِناً فَأَتاني

فَلَمّا دَنا قُلتُ اِدنُ دونَكَ إِنَّني
وَإِيّاكَ في زادي لَمُشتَرِكانِ

فَبِتُّ أقدُّ الزادَ بَيني وَبَينَهُ
عَلى ضَوءِ نارٍ مَرَّةً وَدُخانِ

فَقُلتُ لَهُ لَمّا تَكَشَّرَ ضاحِكاً
وَقائِمُ سَيفي مِن يَدي بِمَكانِ

تَعَشَّ فَإِن واثَقتَني لا تَخونَني
نَكُن مِثلَ مَن يا ذِئبُ يَصطَحِبانِ

وَأَنتَ اِمرُؤٌ يا ذِئبُ وَالغَدرُ كُنتُما
أُخَيَّينِ كانا أُرضِعا بِلِبانِ

ونعود للسؤال الأول…
لماذا “هرمز يرمز”؟
لأنه ليس مجرد اسم، بل تذكير بأن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يكرر أنماطه.
بعد كل ما شهدته المنطقة من أحداث، وما تكشّف من مواقف . لا يكفي أن نمد اليد، بل أن نعرف لمن نمدها. ولا يكفي أن نستمع إلى الكلام، بل أن نقرأ معانيه ونفهم لحنه .
الخلاصة… هي دعوة إلى مسارٍ آخر: يقوم على الحذر قبل الثقة، وعلى أن قراءة التاريخ لا تكتفي بالبصر بل البصيرة . السماح لإيران بادعاء أن المضيق ابنٌ شرعي جعلها تعتقد أن لها الحق في حضانته، وزادها ذلك جرأةً لتطالب بمصروف “حضانةٍ غير شرعية”. مطالبة إيران بأتاوات لمرور السفن. بلطجةٌ ما كان لها أن تحدث، لولا الصمت المريب لعشرات السنين على انتهاكاتها، المباشرة أو عبر أذرعها، لغرضٍ في نفسٍ معلوم.
لكن ذلك الصمت الذي ربما كان مقصودًا كأداة تُحرّك في المنطقة عند الطلب. انقلب عليه سحر الساحر، فذاق من الخداع والمؤامرات ما أنهض فيه عقلًا شاردًا نتيجة أوهام سياسةٍ غير أمينة، فتحرك. وما بين الجزرة والعصا: تصريحات، وتكذيب ، أكثر من التأمين… وثرثرة لا تنتهي، وخلاصتها دائمًا: حبة فوق، وحبة تحت.
”هرمز“… لم يكن يومًا مجرد مضيقٍ تجتازه السفن،كان وما زال رمزًا للغدر، ومعبرًا للخيانة.
وعلى العالم أن ينزع عنه هذا العار… فهل سيفعل؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى