
من لا هموم لديه… لا همّة له!
بقلم: مصطفى قطبي
يقال: ‘العظيم… لا ينتهز الفرص، بل يخلقها’، وقبل التوقف عند هذه المقولة الجميلة والأنيقة، فإنني ممَّن يميلون إلى عرض مثل هذه الخلاصات اللواتي يقرعن السمع فيتهيأ الذهن، بل ويتهيّب للقادم المفيد، وهذا يتطلب تيقظ الحواس لاقتباس إشعاعاتها، مثلما تفعل تويجات الأزهار وأوراق النباتات، ومثيلاتها من الأشياء الحسّاسة: لالتقاط أشعة الشمس عند كل صباح فتتمثلها، وتستمر الحياة، وتزهر.
ومن تمعّن المقولة المفتتح بها المقال، تظهر قيمة (الهمَّة) التي وحدها تستحق أن يشار إليها بالبنان في كل موقع تتوافر فيه النتائج السعيدة، كما يُعزى إليها الفضل في إهداء مكة المكرمة السكينة والطمأنينة للنفوس الباذلة تعباً وجدا،ً ولا يعيب الهمة أن يكون وقودها شيئاً من التعب، ومزيداً من الاجتهاد والمتابعة، كالذي يصعد في طريق شائك ليصل القمة وعند هذه الأحوال، تتلاقى خصوصية الحصول على النتيجة السعيدة وتجعل لها طعماً مميزاً.
ولعل مّن نافلة القول أن نشير إلى أنه من المؤكد أن توافر الهمة يقضي على الظروف التي يتولد فيها الكسل وقديماً قيل: ـ ما أبعد الخير عن أهل الكسل! وبالمقابل فإن توافر الهمة يدلل على العزيمة… وكأنهما صنوان، وما أحلاهما صنوين متلازمين كالعلم والعمل ورحم الله الشاعر القائل:
[CENTER]إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمةٍ *** فإن فساد الرأي أن تتردَّدا[/CENTER] وأرى أن الحديث عن الهمة يقود الى الحديث عن الهموم، ولا أعرف ما إذا كان تلاقي الحروف فيهما يخلق علاقة ما بينهما… ولأن اشتقاقهما اللفظي يكاد يكون واحداً، فقد رأى بعضهم أن وجود العامل الأول يقضي بالضرورة وجود العامل الثاني، ربّما وبخاصة لدى الشعراء الذين يبقى للهمة لديهم شجون وشؤون، ولذلك فإنهم يصنفون في طليعة المهمومين إلى جانب العشاق في منزلة واحدة.
وللإنصاف نقول: يبقى لهموم هذين طعم محبّب لا يعدله إلاَّ طعم العسل بعد لسْع النحل… ومن هنا يشار إلى دور همومهم في تكوين وتلوين سعادتهم من جهة، وتفجير إبداعاتهم من جهة ثانية.
وفي كل الأحوال: فإن الثابت والمشرّف في الوقت نفسه أن نجد نتيجة تحقق المعادلة فيما بينهما بالشيء المؤكد منطقياً وواقعياً حيث من لا هموم لديه لا همة له. وبالتالي: ـ ‘إنَّ الهموم على قدر الهمم’. ويلحق في ذلك ما حدا ببعضهم لأن يرى اقتناص الفرص واغتنام هبّات الريح جزءاً لا يتجزأ من شخصية الهمة من منطلق: ‘إذا هبّت رياحُك فاغتنمها’.
وإني وان كنت أخالف هذا الرأي بإلحاقه بالهمة، فإني أراه وارداً من باب آخر، يجليه علينا قول الشاعر:
[CENTER]ما كلُّ أمرٍ أضاع المرء فرصته *** يكون بالمُتلافى في غداة غدِ[/CENTER] وبالمناسبة، فإن الشريكين في الهموم المشار إليهما آنفاً، وأعني الشعراء والعشاق. قد وجد النقاد أنَّ لهما مصارع هي عندهم مصدر الحياة، وعند غيرهم هي عيب عليهم، وبذلك تتبدى حقيقة الشيء ونقيضه في آن، أو على مبدأ: ‘وبالتي عيرتني ثمَّ لي الشرف’.
إن الشراكة المفضية الى اقتسام (طعم النعيم) المتأتي من (إبر النحل) تجعل المبحرين في تلك اللجة الفضية التي يحسبها الرائي لصفائها انعكاساً لبحر السماء، ويخمنون وهم فيها أنها امتلأت عطراً لا ماء… ولعل المتصوفين يأتون في مقدمة هؤلاء… أو في طليعة القائمة كما يقال، بينما الذين يقفون على الشاطئ، متهيبين دخولها، ولا يستسهلون الصعب لبلوغ ذلك للحصول على نعمياتها: فإنهم يرجعون على أصداء ما قاله الشاعر الكبير ‘دعبل الخزاعي’ يخاطب أحد الكسالى المقصرين:
[CENTER]إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً *** ندمت على التقصير في زمن البَذرِ[/CENTER] وفي النهاية، أستطلف لكم ما حكي عن عاشق كان قد تردَّد في المضي بطريق عشقه خشية الإثم، ولكنه حين سمع هذا البيت السابق انقلب على نفسه وهو ينشد: [CENTER]أأترك إتيان الحبيب تأثّماً؟ *** ألا إن هجران الحبيب هو الإثم
[/CENTER]





