
طفولة قارئ
أ. حسن محمد شعيب
فتح عينيه على ألعاب الصغار التي كانت لا تستهويه معهم ، ظلال العُزْلة لا تنفكّ تداعبه مبكراً حتى في ألعابه التي يعجبه استنطاقها بين الحين والآخر ؛ ليعيش معها أحلامه بآمالها وآلامه .
لم يكن بعدُ قد تعلّم من الدنيا غير الحياة ذاتها ، وأول دروسها كانتْ نسيان الألم قبل متعة الفرح ، بكل بساطة كان يعتزل البشرَ ليُسْعدَ روحَه المُعذّبة بالحِرْمان من ملذّات أقرانه حوله ، كان يُغرق حواسه في ألعابه الخاصة على بدائيتها لينأى بنفسه عن مرارةٍ تغزوه كل لحظة .
لم ينسَ ذلك اليوم الذي وبّخه معلمُهُ على سُوءِ نظافة كرّاس الواجب الذي غابت فيه بعض الحروف بسبب انتشار حبرها مع بقع الماء التي أصابتها ! ولم يدْرِ ذاكَ المُعلم القاسي أنّها حبّاتُ عَرَقِه المُتصَابب وهو يحلّ الواجب في بيته الذي يخلو من المُكيّف سوى غرفة واحدة لم يكن نصيبُه ذاك اليوم أن يوجد فيها ويتنعّم بهواء مكيّفها العليل !
كان المرض يزيد طينّه بلّة ، ويجثم بالمعاناة على صدره كل فترة وفترة منتهكاً جسَدَهُ النّحيل الذي كان مَحَطّ ازدراء الجميع حتى والديه وأقربائه ، ولم يكن له في ذلك اختيار وليس بيده للسمنة أي قرار .
ورغم كل ذلك كانت قرّة عينه بين الكتب ، في كل زيارة للأقرباء تجده منذ دخول منازلهم تتحسّس عيناه اتجاه مكتبة البيت إن وُجدتْ ، وإلا بحث عن مجلة هنا وهناك أو أي جسد ورقي يقلّبُهُ بأنامله الصغيرة ، وغالباً ما كانتْ تلامسُ عيناه عند أقاربه مجلتي “قافلة الزيت” ، و”أهلاً وسهلاً” للخطوط السعودية ؛ فلا يغادرُ المكانَ إلا وقد امتلأتْ عيناهُ بمحتوى تلك المجلات من الغلاف إلى الغلاف .
في مدرسته كان يُقدّمُ غذاء العقل على البدن ؛ كانت متعته في المكتبة العتيقة ؛ حيث أمينها العجوز العَبُوس دوْماً ؛ لعدم عناية الطلاب بالكتاب ، كانت المكتبة ضعيفة الإضاءة متلاصقة الكتب يعلو الغبار على معظم رفوفها ، ورغم ذلك لكل كتاب رائحة خاصة به ؛حينما تقلّب صفحاته تلمسُ في أوراقه بصمات كثيرة مرّت عليه ، يقولُ والدُه إنّ مدرستَه كانتْ عامرةً بالعُلماء ؛ كانت هذه العبارة تحضُرُ في مخيّلةِ ذلك الصغير كلما أمسكَ بأحد تلك الكتب ؛ يا ترى مَنْ مِنْ أولئكَ العُلماء أمسك هذا الكتاب قبلي ؟! ولم يدْرِ بأنّه سيكونُ على مَوْعدٍ معَهُم كلّهم في مستقبل حياته بعد عقود الأعوام !
* آخر خَطْرَة :
المكتبة هي المكان الوحيد الذي يستوعبنا – صغاراً وشباباً وشيوخاً – لا تزال .




