
(مكة) – متابعة
منذ زمن، ليس مستغرقا في البعد تماما، ظهر ما يسمى “الشيلات”، وهو فن وموروث شعبي قديم، أساسه التغني بالشعر، وكان يستخدم للركب على ظهور الإبل، وإثارة الحماس أثناء المعارك. ولكنه استحضر حديثا عبر حفلات الزفاف والأعراس والمناسبات، فضلا عن القنوات الشعبية. فيما غدا مؤدوه ومنشدوه من المشاهير، لتنشأ سوق سوداء تتنافس في إنتاج “الشيلة” الواحدة بأثمان يتجاوز بعضها 40 ألف ريال. فما خفايا هذه السوق؟
درء الشبهات .. بالشبهات
في السابق، لم يكن هناك فصل واضح بين التغني بالشعر وتراث الشيلة عموما. أما حاضرا، فقد سوِّق للشيلات على أنها خالية من الموسيقى بخلوها من الآلات ليكتفي منتجوها بألحان تصحبها إيقاعات موسيقية رقمية، يعيبها في بعض الأحيان الادعاء بأن قصيدة الشيلة “فولكورية”، ليتضح لاحقا بعد فحص وتحليل أنها قصيدة معاصرة، لم يمض على إلقائها 20 عاما أو أقل.
وبالتواصل مع عدد من المنتجين، الذين يعملون في هذا المجال، قاموا بالكشف عن خفايا كثيرة تدور في رحى الشيلات.
الشاب رائد العتيبي، وهو أحد مصممي الشيلات، قال للصحيفة إن هذا الفن له أكثر من 14 نوعا، كالهجيني والمسحوب وغيرهما، اكتسب شهرته من المناسبات والأعراس، فالأهل يحرصون على وجود شيلة في زفاف ابنهم أو ابنتهم، تجمع بين الشعر الموزون ذي المعنى العميق واللحن القوي، ما يضفي متعة للحاضرين.
ويضيف رائد أن هذا الفن يقوم على عدم استخدام الآلات الموسيقية. وفي المقابل، يلجأ بعض مصممي الشيلات، وحتى بعض شركات الإنتاج الفني، إلى إنتاج شيلات بقصائد ليست حقا لهم، ضاربين بحقوق الملكية الفكرية لناظم القصيدة عرض الحائط.
الشيلات والموسيقى
يصف العتيبي حال بعض المنشدين بمن “يضحك على نفسه”، معللا ذلك بأنه “بعيدا عن نشرهم ثقافة الاعتداد بالنفس والمفاخرة المبالغ فيها، فإن بعض المنشدين يدرجون ألحان بعض الملحنين الموسيقيين المعروفين، ويركبونها على كلمات القصيدة بتصرف، بل حتى يستخدمون الدف، وهي مسألة يشوبها كثير من اجتهادات الفقهاء، لتصبح الشيلة غلافا لأغنية ولكن بصبغة إسلامية”.
وتابع يقول: “لا شك أن للشيلات ميزاتها وطلابها، بشرط ألا تتعدى على حقوق أحد، سواء مادية أو فكرية، خاصة فيما يتعلق بالقصائد، أسهل ما يمكن سرقته”، مضيفا أنه على مصمم الشيلة أو المنشد الاستئذان من الشاعر قبل إنشاد قصيدته، وإن كان متوفى؛ فالأصح أن يتم الاستئذان من ذويه وعائلته، أو ترك القصيدة وهو الأفضل في رأيي.
ارتفاع الأسعار
واتفق أحمد، وهو اسم وهمي لأحد مصممي الشيلات ـــ فضل عدم ذكر اسمه ـــ مع سابقه، وقال إن حقوق الملكية الفكرية غير محفوظة على الإطلاق في هذا الوسط، نافيا أن تكون وزارة الثقافة والإعلام منعت الشيلات، في الوقت الذي انتشرت في شائعات بوقف هذا الفن في المملكة.
وقال إنهم كمصممين يقعون في حرج حينما يطلب منهم أحد الوجهاء أو رجال الأعمال نظم شيلة من قصيدة لشاعر معروف، فيضطر آسفا إلى اعتبارها “فولكلورا”، عازيا ذلك إلى أن البعض يفضل قصيدة بعينها، فيما يلجأ من يصنفون ضمن الطبقة المتوسطة إلى هذا الفعل تخفيفا للأعباء المالية، فشراء قصيدة من شاعر متمكن قد يكلف من 10 إلى 15 ألف ريال للقصيدة الواحدة، أما المنشد؛ فقد يتقاضى 20 ألفا أو يزيد، بحسب شهرته وصوته، فيما يتقاضى مصمم الشيلات الذي يضبط التوزيع والتسجيل من 5 إلى 10 آلاف، لتصبح الحسبة 40 ألف ريال للشيلة الواحدة.
وأضاف أحمد أن لكل قاعدة شواذ، فهناك منشدون سجلوا ارتفاعا قياسيا في أسعارهم، نظرا لشهرتهم وتأديتهم الشيلة مباشرة أمام الحضور بكل إتقان، فيتقاضى 30 ألف ريال عن ليلة واحدة، وما يميز إلقاء الشيلة مباشرة عدم وجود حقوق ملكية فكرية لناظم القصيدة، حيث يلقيها على مسامع الحضور دون تسجيل أو مساءلة قانونية.
ويقول مصممو الشيلات إن مهرجان مزاين الإبل، وملاك الإبل عامة هم أكثر من يطلب هذا الفن؛ حيث يحرصون على شراء شيلات تتغزل في الإبل، وتشيد بمالكها، وبدرجة أقل شيلات الأعراس، فيما يطلب آخرون الشيلات ليهدوها إلى رجال الأعمال، وبعض من الشيلات المميزة يذهب إلى القنوات الشعبية، وأخرى تباع في محال التسجيلات، وبينوا أن الأمر لا يخلو من بعض المجاملات في بعض الأحيان، حينما يهدي الشاعر قصيدته، أو المنشد صوته، لإنتاج الشيلة دون مقابل، وقليلا ما تقوم شركات الإنتاج بهذا العمل؛ إذ إن أغلبيته يدار بشكل شخصي، بعيدا عن شركات الإنتاج، التي قد تخضع للرقابة، وقد تصبح مطالبة بسداد مبالغ مالية هنا أو هناك لشاعر أنشدت قصيدته دون إذنه.
وفيما يتعلق بعملية الدفع، قالوا إنهم يطلبون أجورهم قبل تنفيذ الشيلة، خشية التخلف عن السداد، أو المماطلة في الدفع. ونفوا علمهم بتفاصيل وجود شركات تلاحق من يتاجر بالشيلات دون إذن أصحابها.
سوق سوداء مليونية
ويقدر مصممو الشيلات السوق السوداء للشيلات في المملكة التي لا تخضع لرقابة بنحو ثلاثة ملايين ريال.
وقالوا إن بعض محال التسجيلات تقوم بمهمة تصميم الشيلات لشعراء ومنشدين مغمورين، وتصل أسعارهم إلى 1500 ريال، تشمل التسجيل والتوزيع والإخراج والهندسة الصوتية، فيما لجأ بعضهم إلى الإعلان على مواقع إلكترونية ، وفقاً لـِ”الإقتصادية”.






