لم يعد التنافس بين المؤسسات التعليمية يقوم على المباني والإمكانيات والحضور إلى الفصل الدراسي، بل أصبح معيار التميز الحقيقي هو جودة مخرجاتها وقدرتها على إعداد كوادر مؤهلة قادرة على مواكبة متطلبات سوق العمل المتسارعة. ولنقيس تميز مؤسسة عن أخرى لابد أن نضع معايير واضحة تقيس الأداء والجودة وبمقدار تحققها تتحقق القدرة على الريادة والمنافسة.
وتبدأ الجودة في المؤسسات التعليمية من أهم عنصر في المنظومة التعليمية، وهو عضو هيئة التدريس. فالمعلم هو محور العملية التعليمية وقائدها الحقيقي. ولذلك فإن جودة أدائه لا تتحقق إلا من خلال التطوير المستمر لمهاراته العلمية والتربوية، إلى جانب تفاعله الإيجابي مع بيئته التعليمية، وحرصه على نمط حياة متوازن يحافظ فيه على صحته واستقراره النفسي والمهني، بما يمكنه من أداء رسالته التعليمية بعطاء مستمر يسهم في تنمية طلابه وإعدادهم للمستقبل.
ولا تقتصر الجودة على المعلم وحده، بل تشمل كامل المنظومة التعليمية، بدءًا من القيادات الأكاديمية والإدارية، مرورًا بالكوادر الفنية، وصولًا إلى كل فرد يعمل داخل المؤسسة. فالجودة ثقافة مؤسسية قبل أن تكون إجراءات تنظيمية. ولهذا تتطلب الجودة وجود هيكل تنظيمي واضح، وتوصيف وظيفي دقيق، وأنظمة إدارية تضمن وضوح المسؤوليات وتكامل الأدوار، دون أن يؤدي ذلك إلى تقييد مرونة العمل أو إعاقة الابتكار. ومن هنا تبرز أهمية تطبيق أنظمة إدارة الجودة وفق المعايير الدولية مثل الحصول على شهادة الأيزو ISO 9001 لنظام إدارة الجودة Quality Management System لضمان تنظيم الإجراءات وتعزيز كفاءة الأداء الإداري داخل المؤسسات التعليمية. وفي هذا السياق تظهر أهمية أنظمة الجودة والاعتمادات الأكاديمية الوطنية والدولية التي تسهم في حوكمة العملية التعليمية وضمان تحقيق المعايير العالمية في التعليم والتعلم. قد خطت المملكة العربية السعودية خطوات مهمة في هذا المجال من خلال هيئة تقويم التعليم والتدريب التي وضعت أطراً ومعايير تسهم في رفع جودة التعليم وتعزيز مخرجاته بما يتوافق مع تطلعات التنمية الوطنية. ومع ذلك، فإن تطبيق أنظمة الجودة في بداياته قد يفرض أعباء إضافية على عضو هيئة التدريس، خاصة فيما يتعلق بالتوثيق وإعداد الأدلة والمتطلبات. ومن هنا تبرز أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات الجودة والمحافظة على وقت المعلم وجهده. ولهذا يصبح من الضروري تطوير قوالب إلكترونية ذكية وأنظمة رقمية موحدة و سهلة الاستخدام تتيح توثيق الأعمال ورفع الأدلة بشكل آلي، بما يقلل الجهد الإداري ويمنح المعلم مساحة أكبر للتركيز على مهمته الأساسية في التعليم والإبداع والتأثير في طلابه.
وفي ظل رؤية المملكة 2030 التي تبنتها مؤسسات الدولة كافة، أصبحت المؤسسات التعليمية تسير ضمن إطار إستراتيجي موحد يهدف إلى التحول الرقمي و رفع جودة التعليم وتعزيز تنافسيته عالمياً. وقد انعكس ذلك في تبني الجامعات والكليات رؤى واستراتيجيات تتواءم مع رؤية الدولة وتسهم في تحقيق أهدافها التنموية. إن المؤسسات قد تختلف في حجم مبانيها أو إمكاناتها، لكنها تلتقي في قالب واحد هو ثقافة الجودة والالتزام بالتحسين المستمر، فالمؤسسة التي لا تعي قياداتها أهمية الجودة لن تستطيع مواكبة التطور المتسارع، ولن تتمكن من الحفاظ على مكانتها في عالم تتزايد فيه المنافسة وتتصاعد فيه معايير التميز. ومن هنا يبرز متطلب ملح وهو ضرورة تبني إستراتيجية وطنية لإنشاء النماذج و الأدوات الذكية الخاصة بالتعليم، على أن تكون مملوكة بأكملها للدولة لضمان استقلالية منظومة التعليم وجودتها ويحافظ على خصوصيتها، في عصر تتسارع فيه الإبتكارات التقنية وتتزايد فيه المنافسة العالمية.
0






