
هناك حيث منحدرات أزقتنا المتعرجة القديمة والمعلقة في خاصرة جبل السيدة يربض بيتنا القديم
ذو الطراز المعماري الفريد ، والذي طارت بي إليه الذاكرة على بساط من الحنين المقيم بروحي مذ كنت طفلة
لأجد آثار اقدامي الصغيرة ماتزال هاربة عبر درجانه الاسمنتية إلى السطح خوفاً من عصى أمي أو ليّها الأحمر الذي كانت تلوح به في وجوهنا
عندما تبتل ثيابنا جراء عبثنا بماء الصنبور الذي نرش به السطح كيما يبترد
في عصاري الصيف اللاهبة ، ومعي اخوتي الذين ينالهم نصيباً موفورا
من ليّ أمي …
آه ياتلك الشرفة الناتئة عن السطح كم كنت أطل منها على سطح جارتنا أم أنس
لأستمتع بشغف طفولي بمشاهدة حمائمها البيضاء والمتعددة الألوان
عندما تغادر أبراجها الخشبية محلقة
اسراباً في فضاء الله الفسيح
هديلها التسبيح
باسم رب الكون.
بينما أم أنس تشغل يديها بخيوط الحرير وابرة التريكو تصنع مفرشاً أبيضاً تزين به طرابيزات
مجلس الرجال قبل مجيئ العيد الكبير وهي ، والحالة تلك لاتفتأ تنهر ابناءها ليطووا فراش
نومهم ويرصوه
تحت السقيفة الخشبية .
تابعت تجوالي فوق سطح بيتنا ثم انثنيت نازلة إلى فنائه الرحب ورحت أبحلق في زواياه الصاخبة بالصمت الرهيب
حيث وجدت بيض الوزغ لايزال مكنوناً وبشتى الألوان الزّاهية في كل ركن من اسقف غرفه
ودهاليزه وصالونه الكبير
ودورات مياهه العتيدة.
وأثناء تجوالي فتحت باباً قديما ذو اعمدة كالتيجان تزينه من أعلى ،
ولجت سرداباً مظلماً
إلا من لمبة سهارية قديمة ضغطت زرها الأسود برفق فكاد
يتفتت تحت اصبعي جراء تآكله ،
فأضاءت السرداب والسلّم الشديد الانحدار ، وعلى يساري تشع بسمة الفتى الابرص نايف
ولد جارتنا الوحيد لأمه وهو يرسم نصف وجهه بالفحم على جدار الخزان ..
أذكر أن نايفاً كان قد ترك وجهه تذكاراً لنا حين قرر السفر إلى القرية برفقة والديه ليحضر العيد الكبير مع اقربائهم هناك ،
ووجدت أثراً لدموعي ودموع اشقائي ووالدتي في يوم وداع نايف وأمه وقد تحولت إلى حفنة من ملح متكلسة مذ
ذاك ، فقدمت إليه اعتذاري ضمناً لضربي إيّاه بمنفضة الغبار في طفولتنا يالي من طفلة كنت مشاكسة
عندما رفض اصطحابي معه لدكان العم محمد الحبشي لشراء الخبز قائلاً روحي وحدك.
هششت وجه نايف عني ، وتابعت نزولي بحذر شديد خوفاً من انزلاقي عبر السلم الشديد الانحدار
ولمّا وصلت نهايته بسلام مشيت في دهليزه الطويل وغير المسقوف وكانت مرجوحتنا
ماتزال على حالها منصوبة معلقة تدولبها الرياح يمنة ويسرة وتطوح بها الذكريات لتصطك بالجدار المثقوب الزمن ثم تلتف حولها محدثة ضفيرة طويلة تنتهي بمقعدها الخشبي المهترئ ، ثم تنفلت في دوران اشبه بالدوامة في يوم عاصف ، جلست عليها فكدت اسقط من بين ركام الذكريات ، فنهضت على عجل خوفاً
من أن تنقطع بي حبالها الذائبة فجأة
لكني ارهفت السمع لها بعض الوقت لتحكي لي شيئاً مماتراكم عليها
من الأيّام السعيدة التي
شهدتها معنا
حيث سمعت ضحكاتنا ومشاكساتنا فيمن يركب عليها اليوم
ومن
منا لم يركب بالأمس والدور لمن وصل اليوم
ورأيت أصابعنا الصغيرة متشبثة بحبالها البالية
وعلى مقعدها الخشبي بضع قطرات من دم كان قد سال
من جبين شقيقي عبدالله
عندما ارتطمت جبهته بالجدار المحاذي للمرجوحة ، فمررت أصابعي على تلكم القطرات المتفحمة جداً فانهلت كعث قديم
استدبرت المرجوحة إلى غرفة فيها رفوف كانت العناكب قد نسجت في
اركانها بيوتها
الكثيفة بعناية المالك المستهم ببيته.
وعدت أدراجي صاعدة حيث الحجرات العلوية وصالة بيتنا الكبيرة ،
وبوّابتها الضخمة الرمادية اللون والمزيّنة بنقوش أرابيسكية جميلة
مشرع بابها
وأبي واقف على عتبتها حاملاً
بين يديه قراطيس الجبنة ، والزيتون وحلاوة أبو نار ، وكعكاً وشريكاً ، اعتاد جلبه معه ساخنا كل صبح أومساء بحسب طلبنا
،
فقبلته وتناولت مافي يديه ومضيت إلى المطبخ ، وتركت القراطيس على
طاولة المطبخ
فاسترعى انتباهي مواء قطة سوداء
كانت قد روعت والدي
عندما هجمت عليه في ليلة انقطعت فيها الكهرباء ، ولمّا هممت بطردها ماءت
وبرقت عيناها
الصفراوين
واختفت فجأة .
ثم تابعت تجوالي حيث رجعت مرة أخرى إلى السطح لأنهي تطوافي ببيتنا
حيث حبل الغسيل لايزال مشدوداً
وعلى كل جزء منه حكاية ملابس
متعددة الأشكال
والأحجام ، والألوان ووجدت بصمة يدي أمي ، وتعبها يبلل كل جزئيات ذلكم الحبل المتهتك ذو
اللون الأزرق المترمد فرفعت رأسي للسماء الزرقاء متنهدة ثم ركبت بساط ذاكرتي
عائدة إلى مدائن وعيي الحاضر
الذي لم يترك لنا من ماضينا سوى بساط الذاكرة
نمتطيه على حين هبة حنين ، لنسافر عليه إلى عوالم حياتنا الأولى
حيث مراتع طفولتنا في أزقتنا الجميلة بحلوها ومرها
شاهدة على ماض تولى كان يملأ
سمع الزمان أٌنساً وإنسانية.





