في السياسة، كما في الحروب، ليست المشكلة فيما يُعلن، بل فيما يُخفى خلف الإعلان. ولهذا فإن الإحتفاء بمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية يبدو سابقاً لأوانه، لأن ما جرى حتى الآن لا يشبه اتفاقاً أنهى أزمة، بل يشبه هدنة لفظية أُعطيت اسماً أكبر من حجمها.
فالذي تحقق ليس اتفاقاً ملزماً، ولا تسوية تاريخية، ولا حتى خارطة طريق واضحة المعالم. ما تحقق هو تأجيل للأسئلة الصعبة. أما الإجابات فقد أُرجئت إلى ستين يوماً أخرى من التفاوض، وكأن العالم انتقل من حافة الأزمة إلى غرفة انتظار الأزمة.
المفارقة أن الأهداف التي قيل إن الضغوط والعقوبات والتصعيد العسكري وُظفت من أجلها لم تتحقق. المشروع النووي الإيراني لم يُفكك. البرنامج الصاروخي لم يُقيد. منظومة الأذرع الإقليمية لم تُحل. لم يتغير شيء جوهري في موازين القوة التي كانت محل الخلاف منذ سنوات. وإذا كانت هذه الملفات هي سبب الأزمة، فإن الأزمة ما زالت قائمة مهما اختلفت الأسماء والعناوين.
الأكثر غرابة أن المشهد ينتهي بمناقشة الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة وتخفيف بعض القيود الإقتصادية، بعد مرحلة شهدت تهديداً للملاحة الدولية وإغلاقاً فعلياً أو جزئياً لممرات حيوية للطاقة العالمية. هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الرسالة التي يرسلها هذا المسار إلى العالم؟ هل مفادها أن استخدام أوراق الضغط الإستراتيجية يرفع كلفة المواجهة على الخصوم، أم أنه يرفع قيمة المكافأة في نهاية المطاف؟
في العلاقات الدولية لا يكفي أن توقف التصعيد حتى تُعلن النصر. النجاح الحقيقي هو أن تحقق الأهداف التي دفعت ثمنها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. أما إذا انتهى الصراع إلى بقاء جميع الملفات الأساسية على حالها، فإن ما حدث لا يكون حلاً بقدر ما يكون إدارة مؤقتة للأزمة.
من هذه الزاوية، يبدو أن أكبر المستفيدين من المذكرة ليس الأمن الإقليمي ولا الإستقرار الدولي، بل الخطاب السياسي الذي يحتاج إلى إنجاز سريع. فالإدارة الأمريكية تستطيع القول إنها أوقفت التوتر وفتحت باب الدبلوماسية، وإيران تستطيع القول إنها صمدت وانتزعت اعترافاً بضرورة التفاوض معها. وبين الروايتين يبقى السؤال الأهم بلا إجابة: ماذا تغير فعلياً؟
التاريخ يعلمنا أن الأزمات المؤجلة لا تختفي، بل تتراكم فوائدها السياسية والأمنية حتى يحين موعد استحقاقها. ولذلك قد يكون الوصف الأدق لما جرى أنه ليس اتفاقاً أنهى الأزمة، بل استراحة مؤقتة من مواجهة لم تُحسم أسبابها بعد.
بعد ستين يوماً سنعرف إن كانت هذه المذكرة بداية حل حقيقي، أم مجرد وثيقة كُتبت لمنح الجميع فرصة للنزول من الشجرة دون الاعتراف بأن أحداً لم يحقق ما خرج من أجله إلى المعركة. وحتى ذلك الحين، يبقى الحديث عن انتصار دبلوماسي أو تسوية تاريخية أقرب إلى الأمنيات منه إلى الوقائع.
د أحمد بن حسن الشهري
الكاتب والباحث في العلاقات الدولية



