المجتمع

آن الأوان لوقف الغلو والتسخير السياسي للدين

تسيس الدين آفة قديمة، وتعد من الفتن وهي المعوق الأكبر أمام الإصلاح والتنمية والتقدم، وحينما سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الفتنة التي تموج كما يموج البحر قال له حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال أيكسر أم يفتح، قال حذيفة يكسر، قال عمر إذا لا يغلق أبدًا، ولما سئل حذيفة عن هذا الباب قال الباب عمر.

وأول مرة يتم فيها تسيس الدين في التاريخ الإسلامي، عندما أشرف جيش معاوية رضي الله عنه على الهلاك رفعوا المصاحف على الرماح يطلبون التحكيم فانخدع كبار الصحابة، لكن فطن الإمام علي رضوان الله عليهم في حرب صفين عام 37 للهجرة لتسيس الدين، وكانت حربًا للصراع على السلطة رغم أن باطنها المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه.
وفي نفس الوقت تنبه علي كرم الله وجهه لهذه المكيدة ورد الحكم إلى كتاب الله بأنها خديعة باسم الدين، وقال ما رفعوا ليرجعوا إلى حكم ربهم، وهم يعرفون حكمه ولا يعملون به ولكنها الخديعة، ولكن كبار الصحابة القراء في جيشه قالوا له أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت، فأجابهم علي رضوان الله عليه وقال ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه.
ثم اعترض الخوارج على علي رضوان الله عليه وهم من جيشه على تحكيم الأفراد، وقالوا إن الحكم إلا لله، فقال لهم علي رضوان الله عليه لا حكم إلا لله كلمة أريد بها باطل، وأن الأمة بحاجة إلى إمام وحاكم بعد اعتراضهم على حكم الرجال، واستدل علي رضوان الله عليه بعدد من الآيات ( فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) وفي الصيد ( يحكم به ذوا عدل منكم ).

وفي يوم الحديبية صالح رسول الله أبا سفيان وسهيل بن عمرو، وقال لعلي رضي الله عنه اكتب هذا ما صلح عليه محمد رسول الله، فقال أبو سفيان وسهيل لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال عليه الصلاة والسلام اللهم أنك تعلم أني رسولك، وقال يا علي اكتب هذا ما صلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو.

والحاكمية التي تمسك بها الخوارج تختلف عن حكم الله الواضحة في الآيات التالية ( ولا يشرك في حكمه أحد أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يؤمنون )، وهي من أكثر الآيات التي أولت تأويلًا خاطئًا، وتم بها تكفير المجتمعات المجتمعات المسلمة في القرن العشرين واعتبارها مجتمعات جاهلية، ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمونك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم يعرضون ) ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب )، وتعتبر الآية الأخيرة من الآيات التي تنهي الصراع بين المختلفين بأن الحكم النهائي يمتلكه رب العالمين وهي دعوة لوقف التنازع ومواصلة مسيرة الحياة عبر التعاون والبناء المشترك.

استمر هذا التسيس والتوظيف للدين فيما بعد معركة صفين، صاحبها لي عنق النصوص التي اتبعها الخوارج والتي انتهت بالحوار بين الإمام علي رضوان الله عليه مع الخوارج وقتال ما تبقى منهم، وهم امتداد لأول ظهور ذو الخويصرة التميمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال له أعدل فإنك لم تعدل حتى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم ( ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ) فكان أول من ظهر منهم في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن من يتنبه لوصايا الرسول صلى الله وتحذير أمته من تلك الفئة الضالة، والتحذير من الاغترار بتقواهم وتدينهم لكنهم خرجوا عن منهج الله حيث قال صلى الله عليه وسلم ( سيخرج من صلب التميمي من يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية )، وهو الغلو في الدين وتكفير المسلمين بالذنوب التي لم يجعلها الإسلام مكفرة ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله )، وهو أمر بقتالهم إذا رفعوا السلاح في وجه المسلمين ومحاورتهم كما حاورهم الإمام علي رضوان الله عليه.

يتبادر إلى ذهن كثير من العلمانيين والمراقبين للوضع في المنطقة العربية نتيجة لتسيس الدين المطالبة في القيام بجهود مماثلة لجهود التنويريين في أوربا التي استطاعت بفضل التنويريين التفريق بين الدين ورجال الدين، بعدما هيمن اللاهوت الديني على العقول هيمنة مطلقة، ويعتبرون أن ما يدور في العالم العربي هيمنة دينية وليست تسيس للدين أو غلو في الدين وهما مرضين شخصهما الإسلام في فترة مبكرة جدا، وحذر المسلمون من الرضوخ والاستكانة لهما باعتبار أنه صادر من رجال دين وباسم الدين فتأخروا في مواجهة هذا المرض الداخلي باسم الدين فتأخروا.

فيما اهتم الفلاسفة في الغرب بنقد العقل الخالص، وهيمن الفيلسوف الألماني إيمانول كانط على فلسفة التنوير، وقدم للغرب أهم كتاب فلسفي في العصور الحديثة نقد العقل الخالص وهو أهم فيلسوف في الغرب أتى بعد ديكارت من الناحية العقلانية والمنهجية والموضحة في كتابه ( مشروع السلام الدائم ) عام 1795، بالطبع الغرب يواصل الكتابة عن ما بعد الحداثة ونقدها.

فيما اهتم الإسلام بالعقل والعلم في آن واحد، بل إن العقل اعتبره وسيلة للوصول إلى الله ، وأن التفكير هو السبيل الوحيد لتحقيق ذلك، وبناء على ذلك فليس هناك خطوطًا حمراء ولا محظورات ولا حدودًا على العقل، فقد اعتبر العلماء ورثة الأنبياء، وعظم قدرهم لحفظ الشريعة من جهل الجاهلين ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) والآيات كثيرة التي خاطبت العقل ( لقوم يتفكرون ) ( لعلكم تعقلون )، بل حمى الإسلام العقل من كل ما يؤثر عليه ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ) ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولي الألباب ).

ليس صحيحًا أن الإسلام دين يلغي العقل ويخضعه للنصوص الدينية، وإنما أمر الإسلام كما في النصوص السابقة إعمال العقل في النصوص، وحثه على النظر والتأمل والتدبر والتعقل بل أنكر على الذين لا يعملون عقولهم ( أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها )، وقد ذكر القرآن العقل زهاء خمسين مرة، أما كلمة أولي النهى فقد جاءت مرة واحدة في القرآن في آخر سورة طه، وهذا دليل على اهتمام الإسلام بالعقل والاستدلال به ونهى عن الاستدلال بالظنون أو الاعتماد على الظنون والتي لا تغني عن الحق شيئًا ونهى عن اتباع الهوى وتحكيمه في الاستدلال بالنصوص والآيات حول ذلك كثيرة ( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) .

تأثر العرب بالحداثة بدءًا من الحملة الفرنسية على مصر 1798-1801 بدأت تتولد قناعة لدى بعض العرب أن أنماط التفكير القديمة لابد أن تتغير بما يتواءم مع العصر الحديث لمواكبة التقدم، منهم الشيخ حسن العطار 1766-1835 شيخ الأزهر الذي اطلع على العلوم الغربية فأدرك أن التصدي للتحدي لابد له من تغيير عميق وشامل، وأتى بعده جمال الدين الأفغاني وسار على نهجه تلميذه رفاعة الطهطاوي 1801-1873 واعتبر أن أهم الصلات التي عقدت بين مصر وبين الحضارة الأوربية في عهد محمد علي واحدة من أهم الإنجازات.
لكن يغيب عن هؤلاء دعاة العلمنة وفصل الدين عن السياسة بأن الدين الإسلامي يهتم بفصل السلطات عن بعضها البعض، وإن كان الفصل ليس فصلا خالصا كما في العلمانية ( فأسأل به خبيرا ) ( وشاورهم في الأمر ) لأن الإسلام يذكر الجميع بالعهود والمواثيق والمبادئ ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا)، وإذا كان الإصلاح الديني واحدًا من العتبات الأساسية الأولى التي مهدت لنهضة أوربا، ولكن لم يتنبه الإصلاحيون العرب بأن المشكلة لدى العرب ليست في الإصلاح الديني وإنما في تسيس أو توظيف الدين والغلو وهما السبب في إعاقة النهوض في المنطقة العربية.

إضافة لذلك أعاق التطور ربط الإسلام في الغرب بالتطرف والإرهاب والنظر إلى كل مسلم إرهابيًا أو متطرفًا محتملًا، وهم يطالبون العرب والمسلمين الاقتداء بالغرب والقيام بمهمة الإصلاح الديني في الإسلام، وفي نفس الوقت يرفض الغرب الاعتراف بأنه ساهم في هذا التطرف حينما دعم تسيس الدين بشقيه الشيعي والسني.
لكن النار لم تقتصر على المنطقة العربية بل امتدت إلى الغرب لذلك حذر بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق في 13/9/2018 من أن تهديد المتشددين يتنامى، ومن أن النهج الحالي في التصدي للتهديد سيفشل ما لم تكن هناك استراتيجية عالمية لمعالجة جذور التطرف، وقال بأن الأمن وحده لن يكفي أبدا، وإنه ينبغي على الحكومات التركيز على الوقاية، وأن هناك 121 جماعة عنيفة تنشط في أنحاء العالم، وإنها مسؤولة عن أكثر من 84 حالة وفاة في 2017 خصوصًا في سوريا والعراق وأفغانستان والصومال ونيجيريا.

وقال بلير إن العالم ينفق مليارات الدولارات سنويًا على تعزيز الأمن في المطارات ومكافحة الإرهاب، وقدرت المبالغ التي أنفقت بعد أحداث 11 سبتمبر نحو ستة تريليونات ونصف التريليون دولار وهي دراسة نشرت في شهر أغسطس 2018 أعدها فريق من معهد واطسون للشؤون الدولية التابع لجامعة بروان الأمريكية تبلغ التكاليف العسكرية منها 1.5 تريليون دولار.
لكن يعتبر بلير أنه لا ينفق على التصدي للفكر المتطرف والتعليم والتنمية والاستثمار في الدول التي مزقتها الحروب ودعم الزعماء المسلمين الذين يعملون لمكافحة الإرهاب، لكن تنبهت أمريكا والغرب مؤخرًا فدعمت حكومة المملكة العربية السعودية في تأسيس تحالفات لمحاربة الإرهاب، ووجدت المملكة العربية السعودية عليها أن تقوم بدور مكمل وهو وقف تسيس الدين في المنطقة ومحاربة الغلو والتطرف وهو كان بحاجة إلى قرارات جريئة لكن الملك سلمان الذي قاد عاصفة الحزم في اليمن الذي اعتبر أجرأ قرار اتخذه العرب قادر على اتخاذ قرار مماثل في الداخل وبالفعل اتخذه.

ربما كان من أكثر هذه الآثار غير المباشرة وضوحًا، هو صعود الإسلاموفوبيا نتيجة وأثرًا طبيعيًا لصعود الإرهاب وأخطاره، قاد إلى تحولات في سلم القيم والأولويات للدول والمجتمعات، فعربيًا وإسلاميًا تراجعت أولوية الحل للصراع العربي الإسرائيلي.
تعيش أوربا هاجس التعامل مع العائدين من ساحات القتال بعدما كانت تعتقد أن خروجهم من أوربا سيتم القضاء عليهم في ساحات القتال في سوريا والعراق، لكن ما حدث هو العكس، فظهرت عدة ظواهر إرهابية في أوربا ليست من العائدين من ساحات القتال بل من الجيل الثالث من المهاجرين المقيمين في دولهم يقومون بأعمال إرهابية متعددة باسم الذئاب المنفردة وجهادي غرف النوم، المشكلة التي أقلقت الأمنيين في أوربا بسبب أنهم لا تربطهم مع شيوخ الإرهاب أي روابط، لكن وجدت أنها تربطهم روابط مع أجهزة الإنترنت وغرف الدردشة في وسائل التواصل الاجتماعي ستكون المعالجة والمواجهة صعبة جدًا وبذلك هي تحتاج إلى جهود المملكة العربية السعودية في تفكيك هذا التطرف والغلو المحرض الرئيسي باعتبارها دولة قائدة للمسلمين.

ما ابتلي به المسلمون في توظيف الدين وتسيسه والمتاجرة به أو المتاجرة بالمقدسات ومحاولة أسلمة المجتمعات، والإسلام هو الحل، والتمسك بخرافات مقدسة حتى لا يتم مراجعتها رغم تعارض بعض نصوصها مع نصوص القرآن الكريم مثل حد الردة الذي لم يكن سوى حكم سياسي وليس دينيًا لأنه يتعارض مع نصوص القران الكريم، وبث هذا الغلو في أوساط الجموع البائسة واليائسة والجائعة فلا أسهل من إقناع الشباب المسلم بهذه الشعارات والتقديس الفضفاض واستحضار الوقائع والأحداث من التاريخ الإسلامي وعهود الخلفاء والتابعين لشد الهمم وتهيئة الشباب للتضحية من أجل إعلاء كلمة الله أو نيل الشهادة في سبيل الله، أو التجهيل التي يمارسونها، لكنهم لا يتأملون في منهج السلف الصالح وعلى رأسهم الإمام علي رضوان الله عليه حينما فصل بين الدين والتسيس وبين التأويل الصحيح للدين وبين الغلو والتأويل الفاسد التي تتجه لتحوير عنق النصوص في غير مرادها.

وما يحدث اليوم حول المرأة الذين خلطوا بين حجاب أمهات المؤمنين وبين حجاب نساء الأمة ولا يتنبهون إلى قول الله سبحانه وتعالى في حجاب أمهات المؤمنين لستن كأحد من النساء، ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكن وقلوبهن) لكن الآية الشاملة ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) ويفسرون ذلك أدنى أن يعرفن بوضع حجاب على وجه المرأة، بينما التفسير الصحيح حتى يعرفن عفيفات، ويتجاهلون الآية الليبرالية التي وسعت على نساء الأمة ( ولا يبدين من زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وقول الله سبحانه وتعالى ( قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها ) فهنا حاجة لكشف الساقين أقرها كتاب الله.

ويتجاهلون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ( لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ) وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحلل محرمًا وينسحب نفس الوضع عن تحريم الاختلاط رغم هناك أحاديث في صحيح البخاري كانت الصحابيات والصحابة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضؤون في مكان واحد عن ابن عمر أنه قال ( كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا ) ولسنا أفضل من عهد الرسول من أن تبتدع دينًا جديدًا ونحرم الاختلاط وهو مباح مما حرم نصف المجتمع بحكم تحريم الاختلاط من الارتزاق والعمل نتيجة غلو ومخالفة لنصوص وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

لسنا مثل الأديان السابقة التي ضيعت نصوصها وغيرت أو طمست كما هو مذكور في كتبهم وهم يعرفون صفة الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ) ( يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ) ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ).

بينما المسلمون يفرقون بين التدين والدين، ( إن الدين عند الله الإسلام ) فالدين نصوص ثابتة مجردة وسابقة على كل فهم، بينما التدين فهم الناس لتلك النصوص التي تؤثر فيها عوامل كثيرة منها ظروفهم السياسية وصراعهم على السلطة، والثقافية، ومخاوفهم من الآخر، وتأخرهم، وأدلجة أوتأويل كثير من النصوص ومن أكثرها أدلجة وتأويلا الجهاد الذي بدأ منذ 1920 لدى جميع التيارات الإسلامية وخصوصًا الحركية، ولم يعد الصمت على أن الإسلام دين ودولة، فهذه المقولة هي الأصل في الجهاديات وفي نقض الدولة الوطنية.

هناك انسجام وتناغم بين تلك التيارات حول الجهاد، وهناك التباسات لديها كافة بسبب أنها رافضة للهويات التي هي عبارة عن تمازج أو هجينة، وبذلك تعالت على البناء الاجتماعي والثقافي واللغوي والاثني والقومي، وهي لا تقل أيضًا خطرًا عن تضخيم أيضًا دور الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، التي خلقت صراعات الطائفية والمرجعيات، حيث يتضمن خطاب جماعات التطرف في توظيف الطائفية وهو بمثابة إنكارًا معلنًا ومقصودًا لمفاهيم الوطنية والتعددية، ما يجعل المتطرفون يروجون لفتاوي رغم افتقارهم لوزن علمي كبير، فمثلًا نجد الشيعة العرب في العراق يدفعون الثمن والحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني يجني الثمر، وكشفت الحرب في سورية غطرسة فارسية في التعامل مع الشيعة العرب.

أيضًا هناك ترويج أهمية أسلمة المجتمعات الأوربية التي يروجها بعض الإسلاميين، وكأنهم يودون استكمال جولة عبد الرحمن الغافقي الذي حاول فتح فرنسا في القرون الوسطى، خصوصًا وأن أوربا تأوي 30 مليون مسلم، ما جعل في المقابل هناك رفض أوربي للوجود العربي الإسلامي في أوربا بعدما نمت ظاهرة الشعبوية العنصرية، رغم أن هناك تعايشًا بين الإسلام والمسيحية في أوربا منذ فترة طويلة.

استغلت تيارات الإسلام السياسي المتشددة فراغًا أفرزه ما يسمى الربيع العربي بسبب الفجوة بين العرب والعالم المتقدم واستثمار ثورة أدوات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الحكم في عدة دول عربية وخصوصًا في مصر، باعتبار أن تلك التيارات لديها قاعدة شعبية عريضة قبل أن تنقلب عليها في 2013 بعد استمرارهم في الحكم سنة، وتسلم الجيش الحكم في 2014 بعد ثورة شعبية عارمة في يونيو، ولا يزال البعض يصر على أنه انقلاب على الشريعة، كما تعتبر بعض دول الخليج الصحوة بذرة إخوانية والتي ظهرت بعد الثورة الخمينية وترى أنها ليس لها مكان في تلك الدول بسبب أنها تسيس الدين وتربطه بالإصلاح.

أدركت السعودية ومصر أن التطرف بمختلف تنوعاتها وأشكالها والصحوة والسدود الأيديولوجية منذ وقت مبكر بأنها أعاقت التنمية والتقدم وتجاوز التخلف، بسبب أن قواميس الانغلاق والتطرف العنفي هي قادرة على إحراج أو إعاقة وحرف التنمية عن مسارها ومطلوباتها وغاياتها بسبب انحرافها التي تربط الحاضر والمستقبل بتراث الماضي، ولا تعتبر الوطن من العقيدة والشريعة، وتربط أهمية التقدم وتجاوز التخلف بالصراع الخارجي والداخلي، وتربط الدولة والهويات الوطنية بالخلافة والحاكمية والمؤامرة العالمية، وأصبح من أولوية أيديولوجية الإرهاب والتطرف مجابهة العدو البعيد والقريب إلى مجابهة العدو المخالف، بحكم طبيعة بنية الأيديولوجيا على التعصب لفكرة ومعاداة الأفكار الأخرى.

إذا وجدت السعودية أن المجتمع لن يخرج من أفكار الانغلاق ومن خطاب التقليد الذي توجس خيفة من كل شئ من التعليم المدني ومن حقوق المرأة التي كفلها الإسلام ومن مراجعة التراث، وجدت أن عليها أن تتخذ قرارا جريئا بوقف تسيس الدين ووقف الغلو والتطرف بدعم علمائها باعتبار أن الدين الإسلامي دين إنساني.
وليس الدين الإسلامي مشكلة عالمية فيما هو دين يدعو إلى السلام والتعاون المشترك ( والله يدعو إلى دار السلام ) ( إني جاعل في الأرض خليفة ) ( هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها ) ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) ( ولا تفسدوا في الأرض ) ( والأرض وضعها للأنام ) لحماية المجتمع ودمجه في المجتمع العالمي.

لأن مصطلح الإسلام السياسي في الأساس دخيل على الشريعة الإسلامية، ورجال الدين لا يفهمون الأمور السياسية وعليهم تركها للقادة السياسية، ولا يمكن أن يقوم العلماء مقام ولي الأمر لأنه لن يكون مطلعًا على التوازنات السياسية والمعاهدات الدولية التي فيها ميزان المصالح والمفاسد، وأن السياسة في الإسلام استخدمها الفقهاء في مفهوم السياسة الشرعية، ولا يمكن لأي حركة إسلامية تلبس لباس التقوى التحدث باسم السياسة، فهي أضرت بالمنطقة العربية وأدت إلى شروخ كبيرة وكثيرة، والمثال على فشل تيارات الإسلام السياسي في إدارة دفة الحكم في إيران والعراق وفي مصر زمن الإخوان.

السعودية بقراراتها الجريئة التي اتخذتها من أجل انعتاق المجتمع والمجتمعات العربية والإسلامية وسلامة العالم بأسره عندما حررته من أفكار صحوية متشددة حتى وإن كان فيها جوانب إيجابية لكن بعض الصحويين احتلوا العقل السعودي والعربي وأقنعوا الشباب بأن العنف هو السبيل الوحيد للتخلص من الطغاة واعتبروها من مبادئ الجهاد.

وروجوا أنه ليس بالإمكان أن يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، رحلة الانعتاق لم تكن سهلة لولم تكن الدولة قد اتخذت القرار لحماية الشباب من تلك الخرافات خصوصا عندما تنبهت الدولة أن قليلين هم الشباب الذين يتمردون على تلك الأفكار التي نشأوا عليها، ولابد من حماية الأجيال القادمة.

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

أستاذ بجامعة أم القرى بمكة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى