
جهود كبيرة بذلها عدد من الباحثين والأكاديميين العرب في إبراز النظرة الهندية والفارسية على شبه الجزيرة العربية خلال القرون الماضية، لتسليط الضوء على أوضاعها والتطور التدريجي في الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.
واستطلع الأكاديميون العرب في كتاب “تاريخ الجزيرة العربية وثقافتها في ضوء كتب الرحلات الهندية”، أبرز المقالات والكتب القديمة المدونة عن الرحلات من الدول الإسلامية إلى مكة المكرمة وانطباع الحجاج عن أهالي الجزيرة العربية.
وتعتبر تلك المذكرات والمدونات التاريخية وثيقة مبنية على تجارب الحجاج ومشاهداتهم وانطباعاتهم ومشاعرهم الشخصية الخالصة تجاه بلاد الحرمين الشريفين.
وتكتسب تلك المؤلفات على الرغم من أنها عبارة عن مشاهدات وخبرات تحمل طابعاً شخصياً، قيمة تاريخية كبيرة؛ فهي تفيدنا بأوضاع ذلك العصر، ووسائل السفر ومشكلاته، وأماكن الإقامة خلال الرحلات، وأحوال أهل مكة المكرمة، وجدة، والطائف، والمدينة المنورة.
والهدف من تلك المؤلفات في الأساس تقديم معلومات وإرشادات عن كيفية أداء أركان الحج لمن يريد تأدية هذه المناسك في البلدان غير العربية، لكنها تحمل في طياتها معلومات وافرة عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في الأماكن والبلدان والمدن التي بدأ منها الحاج رحلته، والأماكن التي مر بها في طريقه إلى مكة المكرمة وغيرها من الأماكن المقدسة، ثم ما رأى فيها من عادات وتقاليد وطبائع أناس ذلك العصر.
وتعتبر تلك المؤلفات التي وضعها التجار والسياح من كتب ومذكرات ومخطوطات بلغات مختلفة؛ مصدرا هاما للاطلاع على أوضاع وظروف تلك المجتمعات التاريخية.
وفي مقدمة تلك البلدان، تأتي الهند لما تحظى به من تاريخ حافل بوجود عدد كبيرٍ من كتب الرحلات بلغاتها المختلفة، لاسيما رحلات الحج التي كتب علماء الهند ومحدثوها وشعراؤها مذكرات كثيرة لرحلات الحج، بعضها متوافر في شكل مطبوع، وبعضها الآخر غير مطبوع.
وتعتبر مذكرة رحلة الحج للشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي “جذب القلوب إلى ديار المحبوب” (1001هـ – 1593م)، صاحبة الصدارة بين مذكرات رحلات الحج في الهند، كونها أقدم مذكرة لرحلة الحج المتوافرة في شبه القارة الهندية.
وأدى الشيخ المحدث الدهلوي فريضة الحج في عام 998هـ – 1590م، ودوّن مذكرة الرحلة في العام 1001هـ -1593م، بينما ثاني أهم مذكرات رحلات الحج الهندية هي “فيوض الحرمين”، التي ألفها صاحبها الشيخ الشاه ولي الله المحدث الدهلوي باللغة العربية.
وسافر الشيخ الشاه ولي الله الدهلوي إلى الحج سنة 1143هـ-1731م، وتحتوي هذه المذكرة على معلومات حول الفوائد الروحانية من هذه الرحلة، غير أن هاتين المذكرتين المذكورتين آنفاً، لم يتم تدوينهما بالأسلوب الفني التقليدي لتدوين مذكرات رحلات الحج.
وتُعد مذكرة رحلة الحج “سوائح الحرمين” التي ألفها الشيخ رفيع الدين الفاروقي المراد آبادي، الذي كان تلميذاً للشيخ الدهلوي، وعالماً متبحراً في عصره، سافر للحج براً وبحراً، أول مذكرة لرحلة الحج دُوّنت في الهند.
وشهد القرن العشرون تدوين عدد كبير من مذكرات رحلات الحج؛ إذ دُوّن فيه أكبر عددٍ من هذه المذكرات. ومع أن تسهيلات السفر خلال العقود الأولى من القرن العشرين لم تكن متوافرة بقدر ما تتوافر في الوقت الحاضر، لكنها كانت آخذة بالتحسن تدريجاً، هذا ما يتضح جلياً من مذكرات رحلات الحج التي دُوّنت في ذلك الزمن، ومن أبرز هذه المذكرات “رفيق الحجاج” (1907م) للدكتور نور حسين صابر، و”سفرنامه حجاز، شام ومصر” (1909م) لأَمة الغني نور النساء، و”تاريخ الحرمين” (1924م) للقاضي محمد سليمان المنصور بوري، و”الفوز العظيم” (1926م) لحبيب الرحمن خان الشيرواني، و”من بيتي إلى بيت الله” للشيخ أبي الحسن علي الندوي.





