المقالات

تقييم المدربين في الاندية السعودية بين نتائج المباريات وجودة العمل الفني: قراءة علمية في واقع الممارسة

لا يزال الحكم على المدربين في كثير من البيئات الرياضية محكومًا بنتائج المباريات، حيث يُختزل الأداء في معادلة الفوز والخسارة. ورغم أهمية هذا المؤشر، إلا أنه لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة لعمل المدرب، ولا يُعد معيارًا كافيًا للحكم على كفاءته المهنية أو استحقاقه للاستمرار. فالأدبيات العلمية في مجال التدريب الرياضي تؤكد أن تقييم المدرب ينبغي أن يكون أعمق وأكثر شمولًا، بحيث يتناول استراتيجياته في تطوير اللاعبين، وقدرته على قيادة الفريق، وكفاءته في تنفيذ البرامج التدريبية وتحقيق أهدافها المرحلية والبعيدة.

إن تطوير مستوى اللاعبين لا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج عملية تراكمية تعتمد على التخطيط العلمي، والتنفيذ المنهجي، والمتابعة المستمرة. وهنا يظهر دور المدرب الحقيقي؛ ليس فقط في إدارة المباريات، بل في بناء منظومة أداء متكاملة تشمل الجوانب البدنية، والمهارية، والتكتيكية، والنفسية. وعليه، فإن الحكم على المدرب من خلال نتائج قصيرة المدى قد يُغفل الجهد الحقيقي المبذول في بناء فريق قادر على المنافسة المستدامة.

ومن زاوية أخرى، فإن تقييم المدرب يتطلب الاطلاع على تفاصيل عمله اليومية، بدءًا من خطته التدريبية، مرورًا بمحتوى الوحدات التدريبية، وانتهاءً بمدى تحقيق الأهداف المحددة لكل مرحلة. كما يشمل ذلك فهم الأدوار الفنية التي يطلبها من اللاعبين، ومدى توافقها مع قدراتهم، إضافة إلى أسلوبه في إدارة الطاقم المساعد، وقدرته على التعامل مع الضغوط، والتكيف مع الظروف المتغيرة التي تحيط بعمله، سواء داخل الملعب أو خارجه.

غير أن الواقع العملي يكشف في بعض الأحيان عن غياب هذه الصورة المتكاملة لدى الجهات المسؤولة عن التقييم، حيث لا تتوفر البيانات الكافية، ولا تُعرض التقارير الفنية بشكل منهجي، مما يجعل عملية الحكم على المدرب أقرب إلى التقدير العام منها إلى التقييم العلمي الموضوعي. ويؤدي ذلك إلى قرارات قد لا تعكس حقيقة العمل المنجز، ولا تسهم في تحقيق الاستقرار الفني المطلوب.

كما أن نتائج المباريات نفسها لا تُعد مؤشرًا مستقلًا، إذ تتداخل فيها العديد من العوامل، مثل قوة المنافسين، وتنظيم المسابقات، والبيئة الإدارية، وجودة الأجهزة المساندة، وتحديد الأهداف الواقعية من الفريق. وبالتالي، فإن تحميل المدرب وحده مسؤولية النتائج دون النظر إلى هذه المتغيرات يُعد تبسيطًا مخلًا لطبيعة العمل الرياضي المعقد.

في هذا السياق، تبرز أهمية تبني نماذج تقييم حديثة، من أبرزها ما يُعرف بتقييم “360 درجة”، والذي يقوم على جمع المعلومات من مصادر متعددة، تشمل اللاعبين، والجهاز الفني، والإداري، والطبي. ويتيح هذا النموذج بناء صورة شاملة عن أداء المدرب، تجمع بين المؤشرات الكمية والنوعية، وتُسهم في تحقيق درجة أعلى من الموضوعية والعدالة في التقييم.

إن تطوير آليات تقييم المدربين لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها متطلبات الاحتراف الرياضي. فالتقييم العلمي لا يهدف فقط إلى الحكم على الأداء، بل إلى تحسينه، ودعم نقاط القوة، ومعالجة جوانب القصور، بما ينعكس في النهاية على جودة العمل الفني ومستوى الفرق والمنتخبات.

وفي ظل الطموحات الكبيرة التي تشهدها الرياضة السعودية، فإن تبني منهجيات تقييم حديثة وشاملة يُعد خطوة أساسية نحو بناء منظومة رياضية أكثر كفاءة واستدامة، يكون فيها القرار الفني مبنيًا على المعرفة، لا على النتائج الآنية فقط

د. يحيى راجح الشريف

عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى