الثقافية

أعلامٌ استنقذوا البناتَ من الوأد

أعلامٌ استنقذوا البناتَ من الوأد
(مبادرات الجاهليين لخدمة مجتمعاتهم)

أمرُ بُغضِ العرب في الجاهلية للبنات ووأدِهم لهنَّ معلوم مشهور. وقد تحدثت كتب التاريخ والتفسير كثيرًا عن تلك القضية. ورغم ذلك قلَّلَ باحثون مُعاصرون، (منهم د. مرزوق بن تُنباك)، ومراجع عدة من أمر صحة ما رُوي، وعَدَّتهُ مجرد قصص لا تستندُ إلى معايير العقل والمنطق. ومع نَصِّ القرآن الكريم في قوله تعالى “وَإذا المَوْؤدَةُ سُئلَتْ بأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ” لا يمكن إلّا القبول والتسليم بوجود تلك الظاهرة بين عددٍ من القبائل في المجتمع الجاهلي.
متى كانت البداية؟
اختلف الروايات في تحديد تاريخ ظهور هذه العادة بين العرب، وأول من سَنَّها فيهم. قال هاني أبو الرب في دراسته “الوأد عند العرب قبل الإسلام وموقف الإسلام منه “، (المنشورة عام 2009، بمجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية الصادرة عن الجامعة الأردنية)، أنَّ هناك روايات تقول أنها ظهرت بدايةً عند قبيلة تميم، على يد زعيمهم قيس بن عاصم المِنْقَري، ثم انتشرت في عدد القبائل العربية. وذلك أنَّ قبيلة تميم امتنعتْ عن دفع الإتاوة المقررة عليها للنعمان بن المنذر ملك الحيرة، فأرسل إليهم جيشًا استاق النِّعَم (الإبل) وسبى الذراري (البنات). فوفدتْ القبيلة عليه، وكَلّمُوه في ردِّ ذراريهم، فحكمَ النعمان بأن يُجعلَ الخيار في ذلك إلى النساء، فأيّة امرأة اختارت أباها رُدت إليه، وإن اختارت صاحبها (سابيها) تُركتْ عليه. وكان بينهن ابنةٌ لِقيسِ بن عاصم، اختارت سابيها، ورفضت العودة لأبيها، فنذرَ قيس ألّا تولد له ابنة إلّا قتلها، فانتشرت هذه السُّنَّة في تميم وهناك روايات أخرى، تجعل قبيلة ربيعة أول من سنّ عادة الوأد بين العرب.
والظاهر أن نسبتها إلى ربيعة أو تميم، يرجع إلى أن الرواة لم يقفوا على أول من أوجد هذه العادة، فنَسبُوها لربيعة وتميم لشيوعها فيهما أكثر من غيرهما من القبائل العربية، واستمرارها خصوصاً في تميم حتى مجيء الإسلام.
ذلك سبب ظهور القضية، ومع مرور الأيام ظهرتْ أسباب أخرى، قال الدكتور أحمد محمد الحُوفي (في كتابه “المرأة في الشعر الجاهلي) أنَّ العرب كانوا يئِدونَ البنات مخافة أنْ يَنْزِلَ بهم الفقر إذ يضطرّون للإنفاق على الذكور والإناث معًا، خصوصاً أن البيئة كانت شحيحة بالزاد كثيرة الفواجع والمجاعات، والإناث في هذه البيئة يأخذنَ ولا يُعطينَ، وذكر أن بعض العرب كان يُباهي بالوأد، وبعضهم يقترفه مَنجاة من احتمال متاعب قد تقع بسببهنَّ؛ فقد يُؤسرنَ أو يُسْبَيْنَ أو يُزوَّجْنَ بغير أكفاء.
طُرُق الوأد:
وصف الزمخشريُّ إحدى تلك الطُّرق حيث قال: “كان الرجل إذا وُلِدتْ له بنتٌ، فأراد أن يستحييَها ألبسَها جبَّةً من صوفٍ أو شَعر، ترعى له الإبل والغَنم في البادية. وإنْ أراد قتْلَها تركها، حتى إذا كانتْ سُداسية، قال لأمِّها: طيِّبيها وزيِّنيها، حتى أذهب بها إلى أحمائِها، وقد حفَر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يَدفعها مِن خلْفها، ويُهيل عليها التراب حتى تستويَ البِئرُ بالأرْض”.
وقيل: كانت الحاملُ إذا أقربتْ، حفرتْ حفرة فتمخَّضت على رأس تلك الحُفْرة، فإذا ولدتْ بنتًا رمتْ بها في الحفرة، وإنْ ولدت ابنًا حبستْه”. (الكشاف)
أعلام الاستنقاذ:
حتَّى في المجتمع الجاهلي، وُجِدَ أشخاصٌ كانت لهم مبادرات وإسهامات في خدمة مجتمعاتهم، وقد كلّفتهم بذلَ أموالٍ طائلة. ومن هؤلاء أعلام كان لهم دورهم في استنقاذ بنات قبائلهم من الوأد.
ومِن بيْن الأعلام الذين بذَلوا أموالهم لصونِ البنات عنِ الوأد، وسَعَوْا سعيًا حثيثًا لتجنيبهنّ تلك النهاية المأساويَّة، سيِّدانِ من سادات العرب، أحدهما: صَعْصعة بن ناجية التَّميمي (جدُّ الفرزدق)، الذي لُقِّبَ بـ ” مُحْيي الموؤدات”. وكان السبب في مكرمته تلك أنَّه مَرَّ برجل من قومه، تميم، يحفر بئرًا، وامرأته تبكي، فسألها صعصعة: ما يبكيك؟ قالت: يريد أنْ يَئِدَ ابنتي هذه، فقال له: ما حملك على هذا، قال: الفقر، فعرضَ عليه عرضًا سخيًّا؛ استبقاءً لحياتها، فقال: إني اشتريتها منك بناقتين يتبعهما أولادهما تعيشون بألبانهما، ولا تَئِدِ الصبية. فرضي الرجل، وأعطاه الناقتين وجملًا فَحْلًا. ثمَّ أصبح بعد ذلك يتلمَّسُ مَن مَسَّها المَخاض، فيغْـدُو إليها، ويستوهِب الرجلَ حياةَ مولوده إنْ كانت بنتًا على أنَ يَبذلَ له في سبيلِ ذلك بعيرًا وناقتَين عُشَراويَيْن، فجاء الإسلامُ وقد افتدَى أربعَمِائة وليدة.
ومن هؤلاء السادة الأعلام أيضًا زَيْدُ بنُ عمرِو بنِ نُفَيلٍ القُرشي، كان يَضرِبُ بيْن مضاربِ القوم، فإذا بَصُرَ برجل يَهُمُّ بوأدِ ابنته، قال له: لا تقتلْها، أنا أكفيكَ مؤونتَها، فيأخذَها، ويلي أمرَها حتى تَـشِبَّ عن الطوق، فيقولَ لأبيها: إنْ شئتَ دَفعْـتُها إليكَ، وإنْ شئتَ كَـفَيْتُكَ مؤونَتَها. وقيل إنَّه أحيا سِتًّا وتسعينَ موءودة. وهذه المبادرة، كانت تخصُّ فئة من المَوْؤدات، وهنَّ اللاتي كان الفقر أو تَوَقُّعه، هو سبب صيرورة آبائهنَّ إلى وأْدِهنَّ؛ فكان بذل المال سببًا لاستبقائهنَ على قيد الحياة.
*****

بعض روابط الموضوع، مع حذفٍ وإضافات
https://www.marefa.org/وأد_البنات
https://raseef22.com/article/83027-العرب-والبنات-تعرّفوا-على-قصة-الوائد-ا
http://www.alukah.net/social/0/27386/#ixzz567DcHjPG
******
بيان المراد ببعض التعبيرات الواردة في الموضوع:
المراد بـ ” ناقتَين عُشْراويَيْنِ “: ناقتان أتى (مضى) عليهما عشرة أشهر من يوم أرسل فيهما الفحل. و”عُشَراويين” تثنية ” عُشَراء”، وجمع عُشَراء: عِشار، وفي التنزيل العزيز: ” وإذا العِشارُ عُطِّلَتْ”
والناقة العُشَراء وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعزُّ شيء عليهم. وبذلك نعلم كم تكبَّد صَعْصعة بن ناجية التَّميمي، حيث أنقذ أربعمائة وليدة من الوأد، بدفعه لوالد كل وليدة ناقتين عُشَراويين.
• المراد بـ ” كان يَضرِبُ بيْن مضاربِ القوم”: يَنْصِبُ خيمته وسْطَ مضارب قومه.
• حتى ” تَـشِبَّ عن الطوق”، هذه العبارة مأخوذة من المثل العربي القديم “شَبَّ عمرٌو عن الطَّوْقِ”، ولعلَّ أحدكم يُعرِّفنا قصة هذا المثل.
• المراد بِسُداسيَّة في قول الزمخشري”: حتى إذا كانتْ سُداسية”: حتَّى إذا بلغت السنة السَّادسة من عمرها.
• المراد بـ “المؤونة”: القُوت.
• لماذا “استنقذوا”، وليس أنقذوا؟


*****

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تنبيه: 2time-honored

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى