إيوان مكة

البحث عن لحظة تنوير!

[قصة قصيرة]

في يوم قائظ، وكان منهكا من السفر، بعد أن قطع مسافة نصف يوم، وصل إلى مدرسة أخيه. دخل غرفة المدير ملقيا تحيته على عجل، وعلى الفور سأل:
ـ هل أنت المدير؟
ـ نعم. ماذا ترى؟!
ـ أريد الاستئذان لأخي.
ـ هل الأمر ضروري؟
ـ نعم، ولا عليك أمر
رأى عليه المدير وعثاء السفر فكتب له ورقة خروج وقال له مؤكدا:
ـ لابد من إعطائها للحارس؛ لأنه لن يسمح لكم بالخروج إلا بها.
كان حارس المدرسة صارما، متجهم الملامح، كمزادة أحكم خزرها فليست تقطر ولا تمطر.
في الطريق التفت لأخيه، وقال بنخوة أعرابية ضربته حدّ النخاع:
ـ هذا اللي باقي .. ما نخرّج عيالنا إلا بورقة.
وعلى مرأى أخيه مزّقها ونفخها في الهواء، فتطايرت وكأن شيئا لم يكن.
حدس أخوه بمشكلة لا أول لها ولا آخر ستندلع عند باب المدرسة فهو يعرف الحارس وصرامته وعناده الذي جعل كثيرا من الطلاب يعتبرونه المدير الحقيقي للمدرسة وصاحب الأمر والنهي فيها، فكانوا إذا غابوا أو حضروا ضربوا له حسابا أكثر من غيره، فهو الآخر ابن بادية عريق، وكلمته لا تتقهقر، ولا تولد مرتين، وإذا فلتت من لسانه تابعها بإصراره حتى تستحيل فعلا ناجزا،هذا فضلا عن الكلمات التي يطلقها بوعي وإصرار.
حين وصلا إلى الباب تناظرت الأعين الشزر،فالتقى الشرر بالشرر، وتراءت الجمجمتان اليابستان. خفق قلب الأخ المسكين بين بدويين، بل بين كلمتين صارمتين لا تريدان التراجع والتقهقر، وخيّل إليه أن ثمة اصطداما كونيا سيحدث بين كوكبين من كواكب الفلك السيّارة. فهجس في نفسه:
ـ اللهم سلّم سلّم.
وكان الحارس المتجهم قد نهض فور رؤيتهما قادمين، فاعترضهما:
– إلى أين؟
– إلى البيت!
– والمدرسة؟
– استأذنت لأخي من المدير
– هات الورقة
– أنا الورقة، الرجّال اللي قدامك يكفي
– هذا نظام ولن يخرج الطالب إلا بها
– يخرج غصب عنك
أخذت الأصوات ترتفع وتتشابك، فهرع الحارس إلى الباب وأحكم إغلاقه، ثم سحب كرسيّه وجلس.
تطاير الشرر من عيني الأخ الأكبر فهمّ بالمبارزة على باب الحصن، وخيّل لأخيه أنهما بإزاء فتح القسطنطينية، فابتسم في داخله وهجس بيأس:
– من أين لنا الآن بمحمد الفاتح؟
وتذكّر على الفور حصة التاريخ، وما ذكره المعلم عن ليلة الفتح، واستحضر حديث فتح القسطنطينية، فلم ير في أخيه أيّ شرط من شروطه:
– حتى فرسه ليست أكثر من ونيت عراوي مربوط خارج المدرسة، فلا هو من أصحاب الخيول البيضاء ولا توجد فيه أي علامة تبشّر بالفتح.
أدار كل هذا الحديث في نفسه، ثم التفت لأخيه قائلا:
– مزّقت الورقة مزّق الله شماغك المنيّلة بستين نيلة.
ثم قال ساخرا:
– ما نخرّج عيالنا إلا بورقة. هاه؟ اقعد بها الآن أمام هذا الدلفين اليابس.
توقّف الزمان أمام هذه العقدة، وبدت الحبكة بلا حلّ، بدويان ثابتان على موقفهما، بلا ورق ولا سلاح، ليس إلا الرأي أمام الرأي، والرأس أمام الرأس. وبينهما طالبٌ فَقِهَ شيئا من العلم لكنّه عالق في عنادهما ينتظر معجزة الفتح.
في هذه اللحظة الحاسمة انبثقت ثلاثة شخوص لعمالقة السرد، تلاصقت رؤوسهم للمفاوضة والتشاور بحثا عن لحظة تنوير، بعد أن رأت عجز السارد عن الحل. بدت الشخوص في أوّل الأمر غامضة بلا ملامح، ثم اتضح أنها لنجيب محفوظ وانطوان تشيخوف وماركيز. قال محفوظ:
ـ أعلن السارد عجزه عن الحل؛ فطرقكم لهذا الغرض. هل لديكما ما يقنع الحارس أو يعيد الأخ الأكبر أدراجه؟
بادر تشيخوف قائلا:
ـ عودة الأخ الأكبر لأخذ ورقة أخرى من المدير حلّ كلاسيكي رتيب.
وأضاف محفوظ:
ـ وهو أيضا ضد قناعات الأخ، فالبدوي لا يسلك الطريق مرتين. هذا ما خبرته من العرب البدو عامة، وقد عالجت شيئا من هذا في رواياتي عن حارات مصر القديمة وأيام الفتونة والفتّوات فيها.
فهمس ماركيز:
ـ ماذا تقترح يا سيد تشي؟ موجها كلامه لتشيخوف
فقال تشيخوف:
ـ لا أرى حلا لهذه الحبكة العالقة عند الباب سوى المفارقة. جرّبت المفارقة في قصصي فوجدتها باب عبور موارب إلى لحظات تنوير لا تخطر على بال.
فحدجه محفوظ بنظرة ساخرة:
ـ لا أعتقد أن مفارقاتك قادرة على زحزحة كرسي هذا الحارس من مكانه. كل شيء يبدو عالقا في النهاية.
فتدخّل ماركيز مشرق الوجه:
ـ وجدتها!
ـ ماذا وجدت؟ (محفوظ وتشيخوف بصوت واحد)
ـ الواقعية السحرية
ـ ماذا؟
ـ الواقعية السحرية هي الحلّ.
ـ كيف؟ قال تشيخوف.
فأجاب ماركيز متهللا:
ـ نحيل عالمهم الواقعي إلى عالم افتراضي، ففور تحويل المشهد إلى الدراسة عن بعد، سيجد الطالب نفسه في المنزل. وسيجد الأخ الأكبر نفسه قد رجع من حيث أتى مسافة نصف يوم إلى الوراء، أما حارس المدرسة فيستبخّر ليحلّ محلّه رقم سرّي يستطيع من خلاله الطالب تسجيل دخوله وخروجه دون منّةٍ من أحد.
بدا الحل رائعا لأوّل وهلة. صفّق له تشيخوف، وباركه محفوظ لولا أنّه استدرك بإحباط:
ـ لكن حارس المدرسة غير مشفّر، إضافة إلى أنّه خارج التغطية التقنيّة، وكذلك الأمر فيما يخص خصمه. إنهما خصمان واقعيان غير قابلين للرقمنة.
وأضاف، وهو ينظر إلى ساعته التي أوشكت على الثانية عشرة والنصف ظهرا:
ـ لا يمكن بأي حال أن تتداخل الأزمنة بهذا الشكل سيّد ماركيز.
ـ ما المانع؟ سأله ماركيز معترضا، وأضاف:
ـ إذا كنا ثلاثتنا قفزنا فجأة لحلّ حبكة لا تعنينا، بحثا عن لحظة تنوير تخرج الطالب من مأزق فرضه عليه هذان البدويّان، أفلا يمكن أن تحدث لحظة فارقة بين زمنين فتكشف لنا حلا لهذه الحبكة؟
حينئذ قفز تشيخوف:
ـ هذه هي المفارقة التي عنيت!
فتدخّل محفوظ:
ـ لا تركّزوا على صاحب الحل أكثر من الحلّ نفسه.
بدا أن الحوار أخذ أبعادا سردية أكثر مما يتطلّب، وأن لحظة التنوير لم تعد هي الأهم، فبادر الطالب مخاطبا أخاه:
ـ لا أعتقد أننا موعودون بحل قريب.
وفيما النقاش يدور بين عمالقة السرد، جدلا بغير طائل، صدح جرس الحصة الأخيرة معلنا انصراف الطلاب الذين اندلقوا من فصولهم أفواجا؛ فنهض الحارس من مكانه، أزاح الكرسي عن الممر ثم فتح الباب، فخرج العالقان في الحبكة مع من خرج من الطلاب، متوجّهَين إلى السيارة الرابضة في ظل جدار المدرسة.
وفي الطرف القصيّ تبخّرت الشخوص الثلاثة في وهج الظهيرة وتلاشت خارج السرد!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى