أثبتت رحى الحرب الطاحنة في منطقة الخليج قوةَ وتأثيرَ سلاح الجغرافيا، فعندما أغلقت إيران مضيق هرمز بسبب نضوب مخزونها من العتاد الحربي، أو دعمًا لتأثير مسيّراتها وصواريخها، عندها تسارعت أنفاس العالم شرقًا وغربًا، فذلك الدم الأسود الذي يغذي أوردة الصناعة، ويسقي أحشاء الحياة في معظم دول العالم، بات اليوم محتجزًا بين ضفتي الخليج، فأطفأت السفن والناقلات محركاتها، وأعادت المصانع وشركات التأمين حساباتها، وبدأت الدول المستفيدة في البحث عن مخارج لهذه الأزمة تنقذ دواليب صناعاتها.
إنه حقًا سلاحٌ ذو تأثير بالغ، فإذا كان مضيق واحد قد فعل بالمنطقة والعالم ما لم يفعله البارود، فكيف إذا أُغلقت المضايق الثلاثة: باب المندب، وقناة السويس، في وجه الملاحة العالمية؟ هل نتصور ماذا يحدث لنا ولدول الخليج والعراق، وللدول الإفريقية الواقعة بين السويس وباب المندب؟ إننا لا محالة سنمر بأوقات عصيبة تتساقط أمامها الخطط، وتتغير الأولويات التنموية، وتتوقف عجلات النماء، ويتلاشى الأمل في البحث عن المخرج.
فاليوم لا تستطيع الدول أن تعيش بمعزل عن العالم مهما كانت إمكاناتها الاقتصادية، وهذه الصورة الداكنة التي قد تغتال أي تفاؤل يمكن أن يقود إلى بصيص الضوء القادم من آخر النفق، أخذتني إلى هذا التصور الذي أدعو الله أن يحقق الأمل الذي يعتمرني في رؤيته ماثلًا على أرض الواقع، وملخصه التالي:
للمملكة العربية السعودية منفذان بحريان: الشرقي منها على الخليج، والغربي على البحر الأحمر، وكحال اليوم عند إقفال مضيق هرمز، لم تختنق السعودية جراء ذلك؛ لأن لديها المنفذ الغربي، لكن لو أُغلقت المضايق الأخرى، فإن من المناسب أن يكون للسعودية منفذ على البحر العربي لفك اختناق المنطقة إذا تعرضت مداخل البحر الأحمر والخليج للإغلاق، فكيف الحصول على ذلك؟
التصور المقترح المطروح هنا يتمثل في أن تمنح سلطنة عُمان السعودية مدخلًا إلى البحر العربي، من المنطقة الواقعة غرب مدينة ريسوت العُمانية، وشمال معبر صرفيت على الحدود اليمنية، وتعوضها السعودية بمثل تلك المساحة المختزلة في أي منطقة حدودية ترغبها عُمان مع السعودية.
ما مكاسب ذلك المشروع للبلدين وللخليج عمومًا؟
إذا بنت السعودية ميناءً حديثًا يستقبل كل أنواع وأحجام السفن من الفئة (S) وغيرها على البحر العربي، فإن مكاسب ذلك ستكون كالتالي:
1- سلطنة عُمان
أ- تعزيز خطوط التبادل التجاري القائمة حاليًا بين البلدين.
ب- دعم ومؤازرة الملاحة في مينائي صلالة وريسوت.
ج- استمرار سلاسل الإمداد لديها في حالة إقفال باب المندب أمام الملاحة الأوروبية وشمال إفريقيا.
د- التقدم بهذا إسهامًا عظيمًا في فك اختناق أشقائها دول مجلس التعاون عند إغلاق مضيق هرمز.
هـ- اختصار رحلة السفر البشري والتجاري من غرب عُمان إلى غرب السعودية.
2- المملكة العربية السعودية
أ- عند إنشاء الميناء وربطه بخطي أنابيب إلى المنطقة الشرقية لنقل النفط، أحدهما للسعودية والآخر لدول الخليج والعراق، وخط آخر لنقل الغاز، عند إقفال مضيق هرمز، إضافة إلى طريق معبد وسكة حديد لنقل البضائع واستمرار سلاسة وسلامة سلاسل الإمداد، سيكون ذلك منفذًا بديلًا للمرور من هرمز في حالة إغلاقه.
ب- ربطه بسكة حديد وطريق معبد إلى ميناء الملك عبدالعزيز بجدة، وذلك لاستمرار التصدير والاستيراد في حالة إغلاق أحد مداخل البحر الأحمر أو كليهما.
3- الدول الخليجية
ستكون كل دول مجلس التعاون والعراق بمأمن في ملاحتها النفطية وغير النفطية عند إغلاق هرمز.
4- الأردن والدول الواقعة غرب البحر الأحمر
ستستفيد من هذا المعبر الجديد للولوج إلى المياه المفتوحة، وتأمين صادراتها ووارداتها عبر ذلك عند إغلاق باب المندب.
هذا أملًا وحلمًا ساورني، وأفرغته في هذه الأسطر المقتضبة، يحدوني فيه يقيني بأن قيادة البلدين، حفظهما الله، حريصتان على مصلحة الأمة الخليجية مع إخوانهم قادة الخليج، فقد حققوا وسيحققون كل أحلام وتطلعات الشعوب الخليجية.
فهل تفعلها عُمان والسعودية لتقليل فاعلية سلاح الجغرافيا على دول الخليج، وتداعيات العبث بمضائق البحار؟
داعيًا المولى جلّت قدرته أن يتحقق هذا الحلم، إذا كان قابلًا للتنفيذ.




