منتدى القصة

عبور..

مشى حافيًا فوق الرمل، كانت الشمس توجه عليه نظراتها بهدوء، ويغضي عيناه عنها باحثًا عن حلول، استمر الرمل يستجيب لحرارة أشعة الشمس حتى أصبح يؤذي قدميه، تلفت حوله باحثًا عن أمل، ومفتشًا عن معجزة، وصل إلى تل رمليّ ليجد تحته نبعًا من الماء، كاد يصدق أنه سراب لولا صوت الخرير الذي يميزه، هوى بجسده يتدحرج حتى أسفل الكثيب، هناك بدت الأرض رطبة موحلة، وثمة نبع يبرز بين صخرتين مدفونتين، يرتفع بمقدار شبر لعل أحدًا يكترث إليه وسط كل القمم الذهبية التي حوله، مشى يحبو بيديه حتى وصلت شفاهه لترتشف الماء بامتنان واستسلام، بدا كأنما يتسرب منه الماء الذي يشربه فيحتاج إلى البقاء يشرب دون توقف ليظفر بالنجاة، شعر بالارتواء أخيرًا، ورفع رأسه باحثًا عن كل المخاوف ليجدها تنسحب عنه وتفر، لم يستطع تذكر ملامحها وأسبابها، أعاد النظر بامتنان حيث استمر النبع يناديه لشرب المزيد، سمع صوت حفيف خلفه، التفت ليجد كومة من سعف النخيل، كأنما وضعها عابرٌ قبله وتركها لأجله، حمل قدميه بتثاقل نحوها ووقف ينظر إليها يجاهد أفكاره لتذكر وجهته التي يسافر إليها، لكنه قد نسي كل شيء، وارتبطت أفكاره ما بين النبع والسعف والصحراء التي تحاصره، كانت الشمس تنظر بيأس نحوه بينما يجمع السعف ويبني لنفسه ظلاّ، وسرعان ما غفت عينه والظل يدثره..
فتح عينيه على أصوات الرياح، إنها شديدة لدرجة أن يتلاشى صوت خرير النبع وسط هبوبها، بقيت تنتظر أن يفتح عينيه لتحمل عنه ظلاله بعيدًا، وترفعها عاليًا إمعانًا في إفلات فكرة اللحاق بها، أعاد تموضع جسده ليحمي عينيه من الرمال، وأغلق أذنيه بيأس ليكمل سباته بعمق بينما يتلاشى صوت الرياح بهدوء، استيقظ مرة أخرى ليسمع الخرير مجددًا، إنه كصوت يأتي من بعيد حتى يوقضه، عاد الظمأ إلى مطالبته بالمزيد، شعر بثقل في حركته من دثار الرمال على جسده، أزاح الرمل بيديه وفتح عينيه ليجد العتمة من حوله، وسرعان ما كان ينهل من نبعه مجددًا، ويفكر في عذوبة الماء التي لم يسبق له أن تذوقها، ثم فتش بعينيه في السماء باحثًا عن دافع، هناك وقفت تشير أصابع النجوم إلى وجهته، ولم يكن عليه سوى أن يجدف بأقدامه نحوها.

عبدالله الصليح

قاص - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. عبور مبهم..!!ما زلتـ اتساءل ؟لماذا كل هذا الثقل والتنقل من بين كل هذه التضاريس بملامح ضائعة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى