
ذات ليلة، أضاء أهل المنزل كل أنواره، كما يفعلون لمقدم ضيف مهم، وفي صدر المجلس تربع سيد الحضور، قد خالط الشيب لحيته، كأنما هي في عيون الحاضرين سراج السائرين، وأشرعة المبحرين، يردون على شكوكهم بخصلاته البيض، وعينيه الغائرتين بحثًا وجهدا، فيذعنون لقوله قلوبهم، ويرهفون لاستطراده أشجانهم، وعلى باب المجلس، وقف ذلك الطفل وفق توجيهات أبيه، يلبي لكل ضيفٍ ما تقصده عيناه، ويبتسم حين يبتسمون محاولاً ستر جهله بما يقصدون..
كان يجاهد لاقتناص فرصته التي انتظرها، منذ بداية الأسبوع؛ حيث تناهى لسمعه صوت والده وهو يرحب بمقدم عمه للزيارة مكررًا: “الأربعاء؟ الساعة المباركة، نتشرف بطلتك”، تجولت عيناه بين الحاضرين باحثًا بين عيونهم عن احتياجاتهم، قبل أن يعم الصمت المكان، هناك التقت عيناه بعيني عمه الموقر، لينطق بسؤاله دون تفكير كأنما تلبس بجريمة وأيقن بالهلاك: يسألني زملائي في الفصل:”من أين جائت عائلتنا؟ وش نكون؟!” اضطربت أنفاسه وهو يهرب من عينيّ عمه ليجد العيون وقد حاصرته، وحدقت فيه دهشة، قبل أن تعود لتراقب ردة فعل عمه كأنما حان وقت نطق القاضي بحكمه على مذنب، ابتسم عمّه بهدوء قائلاً: “سؤال جميل، أحسنت!” وسكت ليترك للجميع فرصة التنهد بارتياح، وكانت تلك إشارة كافية لهذا الطفل أن ينسى ما يحمله وينسى كيف يحمل أقدامه بعد هذا الفرج، فوجد نفسه وقد جلس متناسيا واجب الضيافة ليستسلم لما تنطق به تلك الشفتان التي يحدق فيهما، هاربًا من كل العيون الحاضرة التي حاصرته، لمعت عيناه بينما يخبره عن نسب عائلته، وتاريخها العريق، ونسل أجداده الذي تصاعد حتى تكونت من النطفة مشجرة، واستند بارتياح يسمح له بملاحظة نظرات والده التي تذكره بواجب الضيافة، لتمتد يده إلى كل ما يستطيع جلبه وتلبيته وسط ابتهاج يحاول إخفاءه، وجملة عمه الأخيرة تتأرجح في قلبه: أنت ابن الأكرمين.
في الصباح؛ كان لمدرسته أن تعلم أنه يوم فريد، فقد شارك في الإذاعة الصباحية، وقاطع المعلم مرارًا ليجيب أو يكمل عنه حديثه، وفي ختام اليوم الدراسي، كان ينتظره متنمر مشمئز من تطاوله على سيادته بالتميز وسرقته للثناء، شفى غليله لجسده ببعض الركلات، بينما كان هذا الطفل يبتسم غير مكترث، لقد نال الحضور الذي يستحقه، ولم يكن ذلك إلا نتيجة لبدايته التي ستجعل للأحلام أجنحة، دع من شاء يظهر ما يشاء، فأنا الآن إبن الأكرمين..






