المقالات

متفائلٌ، ولست بساذج!

تأملت في حالة الترقُّب الصبور لمصيرٍ يحتمل خيارَين أو أكثر، تلك الحالة التي يتعلق فيها الرجاء أن يتحقق خيارٌ بعينه بين الخيارات لأنه -كما يعتقد المترقب- أفضلها، ثم تساءلت عن ماذا لو لم يتحقق هذا الأمر؟
بل على العكس؛ ماذا لو تحقق النقيض تمامًا؟
وماذا عن أثر الخيبة أو “الإحباط” على نفسية المترقب لما يرجوه؟
وماذا عن الأسئلة التي تنهمر على عقله تباعًا إن كان تفاؤله هشًّا من الداخل؟

لربما شكَّك ذلك المترقب في فكرة التفاؤل ذاتها، ولربما أثَّر الإحباط في نفسه بقدر تعلقه بالأمر الذي يترقبه إلى قدر الصدمات النفسية عند البعض، أو إلى درجة إضعاف فكرة التفاؤل لديه إن لم تكن رصينة في عقله.

أعتقد أن التفاؤل أمر محبب على إطلاقه عند عامة الناس، حتى أن البعض استبعد كل كلمات التشاؤم، والتعابير السلبية من حديثه، ولربما تجنبها في حديث محدِّثيه؛ إما مقاطعةً لذلك الذي يحاول زعزعة تفاؤله، أو هروبًا ذهنيًّا حتى من مجرد الفكرة بشكل يجعلك تتساءل ما إن كان هذا التفاؤل حقيقيًّا أم لا.

لنفترض أن الواقع قد فرض هيمنته على أولئك الفئة المتفائلة “التفاؤل المطلق” أو سمِّهِ “التفاؤل الساذج”، وساءت الأقدار بهم يومًا، وتكالبت المصائب عليهم حتى أنهكتهم؟ ترى، هل سيظل تفاؤلهم صامدًا على الدوام؟ أم إنه سيتداعى تحت تأثير هزَّات الإحباط المتكرر؟

أظنُّ أن الإغراق الساذج غير الواعي في التفاؤل بشكلٍ لا يتحقق فيه توازن الحياة بين الجيد والسيء، ولا يحصل فيه تقبل الأقدار والأحداث بجانبيها قد يصل بالإنسان إلى مراحل قد يشكك فيها في مدى حسن ظنه بالله، لا سيّما وهو يرى الأحداث السيئة والمواقف التي لا تتسق مع شعور التفاؤل الذي يتشبث فيه ولا يقبل بغيره.

إن قبول الأحداث المؤلمة، وتقبل حصول الأحداث السيئة هي من صميم الرضا بالقدر خيره وشره، ولا يعني ذلك ألا نتفاءل؛ بل نتفاءل تفاؤلاً إيجابيًّا، يتقبل الواقع بوجهيه الحسن ونقيضه.

هذا التفاؤل المتوازن المتقبل تقبلاً إيجابيا هو الذي تعجب منه نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حينما امتدح أمر المؤمن في حديثٍ يرويه صهيب الراوي -رضي الله عنه- إذ يقول: “عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءٌ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءٌ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له”. [صحيح مسلم]. والصبر هنا يكون بيقين أن تلك الضراء يعقبها فرجٌ وجبرٌ وأجر. ومهما غلب الظن بسوء الواقع، فحسن الظن بالله، وتفاؤلنا المتوازن سيجعل مُرَّ واقعنا حلوًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: