المقالات

تجربة الموت

“كل فراق يعطينا لمحة عن الموت”

“الحكم على الشيء فرع عن تصوره”، وهذا الذي يراه شوبنهاور حين ربط الفراق في حالته ببعض الموت أو لمحة عنه وعليه فإننا نتوافق معه كثيراً وليس منا إلا قد مات بحسب تصور شوبنهاور.

ويزداد ذلك الموت وحشيّة بحسب من نفقد وبحسب قيمة ما نفقد ويتضاعف هذا في مقامات عدة ومواقف متكررة.

الفراق لمسة شقاء إن صح التعبير ولذلك ستجده في أحرف الكتاب وأبيات الشعراء كأول الأعداء وأسطأ المقاومين وأشرس المحاربين.

بل ربما لا تجد موقف جميلاً وحياة سعيدة إلا كان الفراق تذييلاً بائساً لذلك الحدث، وعلامة مؤسفة في ذلك السرد.

يقول ابن حيوس:

أَمّا الفِراقُ فَقَد عاصَيتُهُ فَأَبى

وَطالَتِ الحَربُ إِلّا أَنَّهُ غَلَبا

وليس من غالبٍ له ولا منتصر عليه، ومادام هو النهاية فلابد من بداية، وقد عُرفت الحكمة أن البدايات لازمة للنهايات ولذلك فقد تعالى الله عن البداء.

يمكن القول أن الحياة مليئة بالمتناقضات وتكتسب قيمة التغيير بسبب ذلك وإن كان مما لا نريده إلا أنه عنوان عريض لهذه الكون.

لا يمكن تصوّر تفاصيل الموت كما لا يمكن تخيّل الشعور الذي نعيشه حينها، ولكن قد يقاس القريب على البعيد والحاضر على الغائب فالصورة الجميلة في خيالك مثلاً عن شيء بلغ الحسنى في الحسن هي في أساسها صورة من صُنع العقل إذ أنك لم ترْ أجمل شيء من جنس ذلك الكائن، ولكن يعمل العقل بجد واجتهاد مع ما يشاهده ويحسه وكل ذلك الواقع لتقريب ما ابتعد ليصبح بصورة يمكن وصفها وان صعب، وهذا بقانونه يسير ربما في الموت من خلال تلك اللحظات المحزنة والدقائق الموجعة، لتقول: الموت هو ذلك الفراق ولكن بصورة أكبر أو هو تلك اللحظة المحزنة غير أنها مضاعفة، وهو كذلك في وصف الجنة فقد وُصف لنا بعض منها لتقريب الصورة ثم خُتمت تلك الصورة بأنها لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ربما هو إنصاف من هذا الكون تجاه سكّانه ونأي منه عن أن تعيش شيئاً لم تخبر بعضه وتختبر وقعه.

ختاماً… فيما حولك بعض مما استحال عليك، ولك في القريب فرصة تختصر البعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: