منتدى القصة

بستان الطفولة

(حكاية)

كان ضوء الصباح قد بدأ يتسلل من خصاص النافذة حين استيقظت من نومها مبتهجة ..مسحت من عينيها بقايا النوم المتقطع في أول يوم تسكن فيه هذه الشقة التي تقع في إحدى ضواحي العاصمة الإيطالية روما التي أتت إليها منذ شهر بصحبة زوجها وابنهما ذو الأربع سنوات من عمره.. كانت الشقة تطل على ميدان رحب تحيط به حديقة واسعة يقصدها طلاب الهدوء وممارسو الرياضة.. كل من يعرفهم يقولون: إن حظهم كان جيدًا حين عثروا على هذه الشقة الجميلة التي لا تبعد كثيرًا عن الجامعة التي التحق بها زوجها لدراسة الدكتوراة.. صلت الفجر وقرأت أذكار الصباح والمساء، ودعت الله أن يُبارك في أسرتها ويوفق زوجها في دراسته.. كان الجو مشمسًا.. فتحت الستائر والنوافذ وتنفست الهواء المنتعش ببقايا الندى في عمق حتى استرخت.. مضت في خطى متمهلة من غرفة النوم عبر الممر إلى الصالة.. دخلت المطبخ أعدت لنفسها فنجانًا من القهوة ولطفلها كوبًا من الحليب وسندوتش بالبيض وصحبته معها إلى البلكونة.. قال لها وهو ينصت إلى أصوات الأطفال الآتية من بعيد، أريد الذهاب لألعب مع الأولاد والبنات.. قالت له ليس الآن دعنا ننتظر أبوك حتى يأتي من الجامعة ونخرج بصحبته إلى الحديقة؛ حيث يلعب الأطفال.. قال لها بإصرار طفولي ولكنني أريد أن أذهب الآن.. لأرى ما يفعلون.. إنني أسمع أصواتهم وأريد أن ألعب معهم.. قالت وهي ترتشف من فنجان القهوة الذي أمامها قلت لك ليس الآن.. أكمل إفطارك.. ودعنا ننتظرعودة أبيك .. ثم دعته للوقوف إلى جوارها وهي تتكئ على حافة الشرفة، وتميل بجسدها إلى الأمام كي ترى ما حولها بوضوح.. كان المشهد أمامها آية في الجمال والعذوبة.. كانت صفحة السماء صافية إلا من بعض السحب الرمادية المتفرقة.. وكان أريج الأعشاب الندية وأشجار العنب والتوت المورقة تضيف إلى زقزقة العصافير التي ترف من حولها بهجة وسعادة، وهي تهبط إلى الأرض لتلتقط في خفة ما يلقيه لها الناس من بقايا الطعام.. إنها المرة الأولى التي تخوض فيها تجربة الغُربة وما يكتنفها من القلق الممزوج بالرغبة في الاكتشاف.. من حولها تبدو بيوت الضاحية ذات الأسقف الحمراء غاية في البساطة والجمال.. وعلى سفح الجبل المتدثر بخضرة الربيع تتناثر منازل القرى الصغيرة، وقد تزيَّنت واجهاتها بأغصان من الخضراوات الجافة.. وعلى التلال تسرح أعداد من الأغنام [عبر الدروب الخضراء التي تحف بها بحيرات صغيرة ساحرة .. من بعيد يأتي صوت الترام تحمله رياح الصباح الهادئة، وهو يدلف إلى المحطة معلنًا عن بداية رحلاته المكوكية.. ليوم جديد يتوقف على ناصية الرصيف المغسول بماء المطر… وكان أول النازلين عجوزين يتساندان بمودة الحب القديمة .. بينما يقفز منه في رشاقة مجموعة من الشباب والشابات، وهم يغنون أغاني توقظ في النفس مساحات من الشجن والطرب..غير عابئين بنظرات من حولهم..كان مشهد الحركة في الميدان الواسع في ذلك الصباح الباكر شبه مسرحية إنسانية تعرض أحداثها على مستوى عال من الحبكة والجودة والجمال.. فجأة أمطرت السماء فتفرقت جموع المارة أشرع بعضهم مظلته.. ولجأ البعض الآخر إلى الجدران ليحتمي بها.. عاد زوجها من الجامعة مبكرًا على غير عادته.. قالت له وهي تسأله عن أحوال الدراسة.. لقد أزعجني (بدر) بطلباته المتكررة للذهاب إلى الحديقة؛ حيث يلعب الأطفال.. قال في تسليم.. دعينا نخرج الآن لقد اكتشفت مخبزًا رائعًا بالقرب من الميدان يعد (بيتزا) طازجة سنأخذ رغيفين منه ثم ننطلق إلى الحديقة؛ ليلعب بدر مع الأطفال.. وبعد ذلك نذهب لنتعرف على المدرسة التي سنلحقه بها .. ارتدت هي وطفلها ملابسهما على عجل، وغادروا الشقة وساروا في طريقهم بهدوء وسط الجموع القليلة من الناس بينما طفلهما يسابقهما بخطواته.. أحكمت قبضتها على يده وهو يقف إلى جوارها متململًا يراقب في اهتمام وشغف بالغ مجموعة من الأطفال بنات وأولاد لا يزيد عمر أكبرهم عن الخامسة، كانوا يلتفون حول معلمتهم بملابسهم الوردية الأنيقة وابتساماتهم البريئة ولهفتهم مثله على الدخول إلى الحديقة.. كانت أول الداخلين منهم طفلة ذات ضفيرتين، تهتز من خلف ظهرها في فرح وسرور تبعها باقي الأطفال؛ كأنهم عصافير لا تعرف إلى أي مكان تطير ولا على إلى فرع شجرة تقف..
والمعلمة تستحثهم وتشجعهم على أن لا يبتعدوا عن بعضه البعض.. سحب أمه من يدها الممسكة به ودلف بها مسرعًا إلى أرض الحديقة..ثم صاح بها محتجًا على استمرارها في الإمساك بمعصمه.. أذعنت لاحتجاجه .. وأطلقت يده فأسرع يجري للانضمام لمجموعة الأطفال ذوي الملابس الوردية الذين كانوا يتقافزون حول معلمتهم هاتفين بمطالبهم في اختيار الألعاب التي يرغبونها.. صاحت طفلة ..المراجيح. يا أبلة.. المراجيح.. وألح طفل طويل بل نذهب إلى الزحيلقة وأيده طفل سمين.. نذهب إلى الزحيلقة يا أبلة.. وغردت ثلاثة أصوات بل نذهب إلى اللعبة الدوارة…فيما هزت الطفلة الصغيرة ذات الشعر المجدول رأسها وهي تعلو بصوتها. بل نذهب إلى بركة السباحة.. بركة السباحة يا أبلة… جلست على إحدى المقاعد المنتشرة في الحديق، وأخلت سبيل طفلها من قبضتها.. ذهب زوجها بصحبته؛ ليشتري له كوبًا من الآيس كريم.. ولهما كوبان من الكابتشينو.. اغتنم الطفل انشغال أبيه مع البائع وانطلق مسرعًا واختفى بين جموع الأطفال.. قالت مشرفة الحديقة، وقد أحست بمدى الخوف الذي اجتاح الأم.. لا تخافا.. إنها ضاحية آمنة وأهلها يتعارفون .. ستجدان طفلكما في إحدى زوايا الحديقة يلهو ويلعب مع الأطفال.. وارتفعت نبرة صوتها ضاحكة وهي تشير إلى مجموعة من الأطفال يلعبون في ركن قصي.. انظرا أليس ذاك الطفل الأسمر ذو القميص الأبيض والبنطلون الأزرق هو طفلكما الضائع .. نظرت بسعادة لمشهد طفلها وهو يلعب وقد بدت معالم البهجة والفرح في العيون الزرقاء والعيون العسلية.. وكأن هناك جهازًا خفيًا يقوم بالترجمة بينهم..

– جدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com