المقالات

المكتبات الوقفية في المدينة المنورة.. ذاكرة العلم وعبق التاريخ

أهداني أخي العزيز الدكتور محمد سيد عمر الشنقيطي نسخة من كتابه القيّم «تاريخ المكتبات الوقفية في المدينة المنورة»، وهو رسالة علمية نال بها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من جامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم المكتبات وتقنية المعلومات عام 2015م. وقد قامت دارة الملك عبدالعزيز بنشره انطلاقًا من رسالتها في العناية بتاريخ الحركة العلمية في المملكة العربية السعودية، وتوثيق ما لقيته المكتبات بأنواعها المختلفة من عناية واهتمام ودعم، أسهمت ـ بحمد الله وتوفيقه ـ في نهضة علمية شاملة.

يقول الدكتور محمد سيد عمر الشنقيطي: سنتناول في هذا الكتاب نشأة المكتبات الوقفية بالمدينة المنورة بدءًا من العصر العباسي، وذلك حسب ما يتوافر من معلومات، مبتدئين بمكتبة المصحف الكريم، ثم مكتبة المسجد النبوي الشريف، ثم المكتبات الوقفية المدمجة بها، وبعد ذلك المكتبات الوقفية الأخرى التي وجدت في الأربطة والمدارس وغيرها. ومن خلال فصول الكتاب الأربعة تناول مفهوم المكتبات الوقفية وتعريفها، ودورها في تطوير الحضارة الإسلامية، كما أشار إلى أشهر المكتبات الوقفية في المدينة المنورة وتاريخها، مثل مكتبة المصحف الشريف، ومكتبة المسجد النبوي، ومكتبة الشيخ عارف حكمت، مبيّنًا إسهامها في حفظ المصاحف والمخطوطات.

وتطرّق المؤلف إلى ما لقيته تلك المكتبات من عناية واهتمام كبيرين في العهد السعودي، حيث أنشئت مكتبة المدينة المنورة العامة، ومكتبة الملك عبدالعزيز وغيرها؛ بهدف الحفاظ على تلك المكتبات الوقفية والعناية بها، وإلقاء الضوء على جزء من تاريخ النشاط العلمي بصفة عامة، والمكتبات بصفة خاصة في العهد السعودي الزاهر في مناطق المملكة العربية السعودية المختلفة، ومن ضمنها المدينة المنورة التي شرفها الله باحتضان المسجد النبوي الشريف، الذي كان محط هداية للبشرية على مر التاريخ الإسلامي.

وتناول الفصل الأول مفهوم الوقف وتعريفه، وتعريف المكتبة الوقفية، والأحكام العامة من أقوال الفقهاء، وما استقر عليه العمل في هذا الخصوص، مناقشًا أحكام وقف الكتب والمكتبات، وبعض الأحكام الفقهية الخاصة بهما، مع حصر أبرز أنواع المكتبات الوقفية في الحضارة الإسلامية.

أما الفصل الثاني فاستعرض تاريخ المكتبات الوقفية بالمدينة المنورة على مر العصور الإسلامية، ورصد أنواعها المختلفة، وما تتميز به كل مكتبة عن الأخرى، وإسهامها في حفظ المصاحف والمخطوطات. كما تضمّن ملخصين لأهم مكتبتين في المدينة المنورة، هما: مكتبة المصحف بالمسجد النبوي الشريف، ومكتبة المسجد النبوي الشريف.

وفي الفصل الثالث عرض معلومات عن المكتبات الوقفية بالمدينة المنورة في العهد السعودي، ومدى اهتمام ورعاية المملكة ـ منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله ـ بالأوقاف بجميع أنواعها، وسعيها في إتاحة الخدمات للرواد والمستفيدين، إضافة إلى أهم المكتبات الوقفية التي أنشئت في العهد السعودي.

أما الفصل الأخير فتناول مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية منذ تاريخ تأسيسه بموجب أمر ملكي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، مبيّنًا أهميته وما يحتوي عليه من مكتبات وقفية تجاوزت الثلاثين مكتبة تضم مخطوطات وكتبًا ومقتنيات أثرية، مع إبراز مهام دارة الملك عبدالعزيز في مشروع النقل المؤقت لمحتويات المكتبات الوقفية إلى الجامعة الإسلامية، والعناية بها تنظيمًا وصيانةً وحفظًا.

مبنى مكتبة الشيخ عارف حكمت قديما

وبيّن الدكتور الشنقيطي أن مكتبة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة، التي تأسست في بداية عام 1393هـ في ساحة المسجد النبوي من الجهة الغربية، عندما وضع الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله حجر أساسها، وافتتحها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله عام 1403هـ، تضم مكتبة المصحف الشريف والمصاحف المخطوطة البالغ عددها 1878 مصحفًا و84 مجموعة ربعة قرآنية، تعكس مدى اهتمام العلماء المسلمين بكتاب الله الكريم حفظًا ودراسةً وكتابةً وتفسيرًا وترجمةً وخطًا وزخرفة، إضافة إلى أكثر من 30 ألف كتاب نادر، مما يعد ثروة ثمينة لدراسة الخطوط وتطورها عبر العصور الإسلامية.

كما تضم المكتبة أقدم مصحف مخطوط يعود تاريخه إلى عام 488هـ بخط علي بن محمد البطليوسي كُتب على رقّ الغزال، إضافة إلى مصحف كتب عام 549هـ بخط أبي سعد محمد إسماعيل بن محمد، ومصحف متميز مخطوط بخط غلام محيي الدين سنة 1240هـ يبلغ وزنه 154 كيلوجرامًا. وأبان أن المخطوطات بالمكتبة يزيد عددها على 17 ألف مخطوطة أصلية، توليها المكتبة عناية خاصة من حيث الاقتناء والتنظيم والصيانة والتجليد، فيما يضم قسم الكتب النادرة ضمن مجموعاتها الخاصة نحو 30 ألف كتاب.

وأشار إلى أن مكتبة الشيخ عارف حكمت، التي أنشئت في المدينة المنورة سنة 1270هـ (1853م)، تعد ثروة أدبية للمدينة المنورة لغناها بالمخطوطات القيمة والنادرة في شتى العلوم والفنون، وتزخر بالكثير من التراث الإسلامي المكتوب باللغات العربية والفارسية والعثمانية، حيث تحتوي على أكثر من أربعة آلاف مخطوط أصلي و632 مجموعًا خطيًا يحوي 3838 رسالة مخطوطة، إضافة إلى 7875 مطبوعًا نادرًا وحديثًا.

كما تعد المكتبة المحمودية ثاني مكتبة في المدينة المنورة من حيث المحتويات والتنظيم والشهرة، وتحتوي على ما يقرب من 3000 مخطوط من المخطوطات الثمينة النادرة، إلى جانب 3765 مطبوعًا حجريًا وحديثًا، وتتميز بكثرة مخطوطاتها في بعض الفنون مثل التفسير والحديث والفقه والتاريخ، فضلًا عن المجاميع الخطية التي تضم رسائل متعددة لمؤلفين مختلفين.

ومن بين المكتبات الموقوفة أيضًا مكتبة المدينة المنورة العامة التي تأسست سنة 1380هـ (1960م)، وتشتهر بكثرة مخطوطات النحو مقارنة ببقية الفنون، وتضم كتبًا نادرة وحديثة في مجالات معرفية متعددة، كما تحتوي على 178 مخطوطًا و7766 كتابًا مطبوعًا منها النادر والحديث.

وخِتامًا، فإن هذا الكتاب يُعد غيضًا من فيض في موضوع المكتبات الوقفية التي حفظت للأمة علومها وتاريخها وثقافتها، وما تزال في أمسّ الحاجة إلى المزيد من الدراسات والبحوث العلمية التي تستكشف كنوزها وتبرز دورها الحضاري.

• جدة

عبدالعزيز التميمي

كبير مديري العلاقات الإعلامية في الخطوط السعودية سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى