منتدى القصة

مجموعة “ضوء خافت” للقاص محمد بربر بين الرصد والتأويل!

بقلم الشاعر والناقد د. عيد صالح

لعل الحديث عن القصة القصيرة وتعريفاتها التي لم تصل بعد حد اليقين المستقر لأن العالم نفسه والإبداع في صيرورة التغيير والتشكيل الدائم، لكن رغم كل التعريفات، من النظر من ثقب الباب على لقطة أو حدث وتكبيره والتركيز على بؤرة الحدث وتناميه زمانيًا ومكانيًا انتهاءً بلحظة التنوير، أو ترك النهاية مفتوحة لوضع علامات استفهام، إلى عبثية الوجود واللايقين والمابعديات والميتافيزيقيا والحلم والكابوس، والتجليات والتحليقات إلى آخر ما اتسع له عالم السرد المدهش بانفجاراته المتلاحقة.

أقول رغم كل ذلك، لا تزال القصة/ الحكاية/ الحدوتة حتى بمعناها الشعبي هي الأساس وهي عامود السرد وبنيته وأساسه الذي تقام عليه القصص مع تنوع الاساليب والبنيات والتدوير والفلاش باك والتقديم والتأخير، ولعل قصص ما بعد الحداثة، والتي تجمع بين الأشكال التقليدية والحداثية وما بعد حداثية هي الأكثر قبولا وتأثيرًا.

في “ضوء خافت”، وهو عنوان المجموعة الذي استند إلى عنوان قصة لها، إلا أن الضوء الخافت في كثير من قصص المجموعة سمة تؤكد العنوان مع اختلاف دلالات القصص ورموزها وإسقاطاتها.
ففي القصة التي تحمل عنوان المجموعة، يقول الراوي العليم: “يصحبني صديقي إلى شارع طويل يدلف إلى ممر ضيق (هل عبرت الشمس إلى هنا يومًا) سؤال يؤكد خفوت الضوء، ويضحك ماهر ويقول: (الليل ستار).

هُنا عالم الحشاشين المتعاطين ومن يذهبون مثل ماهر وصاحبه الراوي الذي ذهب معه ليؤنسه وليقص علينا حكاية المعلم حاتم ودراويشه ونساؤه وزيجاته وسجنه واستشهاد أخيه!
“أعلى رأس المعلم تجد صورة السادات” حيث الإسقاط السياسي وعصر الحشاشين الذهبي، لما أشيع عنه ذلك، بل وربما كانت سياسة متعمدة، وإحدى لوازم سياسة الانفتاح السداح مداح، بما في ذلك التركيز على رشوة المخبر، وبعد أن يحصل ماهر على ما يكيفيه لسهرتين يعود إلى الشارع الطويل والراوي يلاحقه ناحية الضوء الخافت الذي يشك أن (الشمس/ النور/ العلم/ التنوير) مرت من هنا يومًا.

القاص محمد بربر

لغة محمد بربر في أغلب قصص المجموعة القصصية تلغرافية استفادت من عمله الصحافي مكثفة ودالة وسريعة دون الوقوع في شرك الإثارة الصحفية أو الإسهاب والطنطنة اللغوية.
في قصة “على مقهى جزر” وهي قصة المفتتح يتناول فيها القاص الفصام الذي يعيشه فيه الأزواج، والمفارقة بين السلوك والادعاء والكذب، ربما المداراة عجز بالهروب للمقهى طوال الليل، والعودة في الصباح لتصدمه زوجته ساخرة منه حين عنفها على عدم صنع إفطار له “مكسح طلع يتفسح” وهو مثل فيه إسقاط على حالته الهروبية، والتي يمارس فيها الكذاب على الواتس آب على مطلقة حسناء بأن زوجته متوفاة ويعيش في وحدته ويرسل لها صورته مع سيارة “أودي” وترسل له صورتها مع قطتها “مشمشة”.
يكتب في هاتفه المتهالك عبر صفحته الشهيرة “صلاة الفجر”، وفي ختام القصة يكتب “جمعة مباركة”.. تأتي السخرية من داخل تصرف الشخصية المتناقض الفصامي العاجز الضائع. الدلالة هنا هي الرسالة التي يريد الكاتب توصيلها هو كشف هذه النماذج وأنها مفضوحة، ويجب معالجتها اجتماعيًا، بالبحث وراء أسبابها.. بالطبع النص لا يقول هذا لكنك عين تقرأ وتتساءل وتأسى لهذه النماذج المريضة في المجتمع.
على العكس تمامًا من قصة “على مقهى جزر”، نجد قصة “الرقصة الأخيرة”، حيث الزوج الوفي لذكرى زوجته، وجهها الصبوج وتقاسيمه البريئة ونضارته التي تشي بأنوثتها وقلبها المحب وصورتها في البرواز التي يضمها لصدره ويطبع قبلة على سطحه الأملس.
يقوم إلى الكمبيوتر باحثًا عن أغنية يحبها “يا حبيبي.. عد لي تاني”، لحظات من المرض والعشق وتذكر أول رسالة حب، كانت مكتوبة بخط الرقعة، إنهما يرقصان سويًا في الصالة رقصتهما الأخيرة، هنا الحب والوفاء والجمال الإنساني في النص الإنساني الذي يبقى.
وفي “شموع” زوجان وحيدان، الزوج عاد من سفر بعيد، والزوجة الوحيدة تدعه نائمًا وتخرج في الصباح متوجهة بعد عملها للكنيسة، لتكتب رسالة إلى الله عبر السيدة العذراء، تطلب من الرب أن يهبها طفلا يؤنس وحدتها، لم تفكر في الخلاص أو الخيانة، لكنها اتجهت إلى الرب لطلب ما يسعدها وزوجها.. صورة إيجابية أخرى، وحكاية رغم بساطتها لكن النزوع الإنساني يترك أثرًا جميلا عند المتلقي بجانب التفاصيل التي تحفزها أكثر، ذهاب التلاميذ للمدارس، السيدة التي تحمل طفلة وتجر آخر وتستحثه على الإسراع.
عند خروجها بعد أن وضعت رسالتها في الصندوق المعد للرسائل، استظلت بشجرة مال غصنها على استحياء، شعرت بارتعاشة في نفسها لم تخل من تشوف! أي بشرى وأمل.
وفي “قد المقام” يعود بنا إلى الشيخ حكم، الوغد النموذج الذي يغرر بالبسطاء وهو من بين كثيرين ينتحلون شخصيات مكشوف عنها، يقصدهم الناس للتبرك والاستشفاء على أيديهم بقراءة القرآن والدخول في حالات أشبه بالتنويم المغناطيسي، يلعب الشيخ حكم بامرأة صديقه المتوفى ويأخذ ابنها المريض على أن يعالجه ويعدها بزيارته لها كل مدة إلى أن يتعافى ليغيب الولد، وتفاجأ بالشيخ يدخل عليه بدونه ليتزوجها، بعد أن قتل ابنها بحجة استشهاده.
نموذج يركز عليه محمد بربر في ثلاث قصص في المجموعة، هذه إحداها وخطورتها هو استلاب الأبناء وتجنيدهم باسم الجهاد، في سبيل الحق والعدل، ليكونوا وقود المعارك التي يدفع ثمنها الشعوب التعسة بمؤامرات السيطرة وتمزيق الشعوب العربية والإسلامية، والحوار هنا مركز ودال على التنامي الدرامي للأحداث.
وفي “صديقي مايكل” نجده يناقش كيفية استلاب النشء وما كان يحدث من الأساتذة المنتمين لجماعات الإسلام السياسي ويحدث حتى اليوم في المساجد وهي الأماكن التي يحدث فيها كل هذا بحجة تعليم الأطفال وتحفيظ القرآن، ويتم الاستعانة بأساتذة مهرة من مدرسي المدارس، حيث يتم الجذب بوسائل كثيرة كالألعاب الرياضية والسباحة وكيف يتم ذلك بصورة لا تدعو للريبة، وكيف يحدث هذا من دولة وإعلام يزايد عليهم في نفس الفكر السلفي الوهابي الذي تخلصت منه دول المنشأ.
وتأتي قصة “صعود” وهي قصة غاية في العذوبة والشجن الإنساني لعجوز ارتبط بقطة تؤنس وحدته بعد موت زوجته وسفر ابنه الوحيد، يتحامل على نفسه ويستند على كل شيء ويخرج باحثا عنها ليجدها منزوية بمدخل البيت فيحتضنها ويعود بها إلى الشقة، في اليوم التالي يترك المقهى سريعا ويعود لتصيبه الحمى وتحوم حول عينيه عشرات الكائنات الغريبة كالبنات الفريدات وهن يغرزن أدويتهن في جسده المنهك – خاف من زوجته – ملابسهن البيضاء الملائكية، هل يطلب منهن الاهتمام بالقطة، بؤرة حياته ووريثه، تذكرها ولم يتذكر ابنه الغائب في غياهب الوعي قبل أن يلفظ أنفسه.
يتجمع الجيران بعد ثلاثة أيام، لتتكرر قصة موت القاطن الوحيد، هنا القطة التي ظلت تحاول إيقاظه تنبش في وجهه دون جدوى.
في قصة “حبيبة” وغد آخر يضاف لأوغاد الواقع الذي يقدم منه محمد بربر نماذجه ليحذرنا منهم، بإدانة مواقفهم، بدون خطابية أو افتعال، بأسلوبه التلغرافي اختصر قصة كان يمكن أن تمتد لصفحات، لكنه تحايل بأسلوبه الذي تعلمه من الصحافة وحكى الحدوتة، للوغد الذي لعب بعواطف حبيبة المطلقة التي تعرضت للضرب والتعذيب وقتل جنينها داخلها ويدغدغ مشاعرها لتحبه، ثم يتركها ليتزوج أخرى، ليحاول العودة ويطلبها بالتليفون لكن كان الهاتف غير موجود بالخدمة.
في “جدران باردة” لقطة أخرى من صور الحياة المليئة بالمآسي، والتي انتهت هنا نهاية سعيدة مؤقتا، إذ كان التشخيص سليمًا داخل غرفة العناية المركزة، لكنها المعجزات في الطب.
وفي “أريكة” قصة واقعية عشت أحداثها في المكان والزمان، حيث كنت أقيم قريبًا من الحجرة التي استأجرتها فاطمة بعد أن هربت من زوجها ببنتيها اللتين لا يريد أباهما تزويجهما دون إبداء الأسباب، إنه الواقع الذي يكشف عن ما هو أشد غرابة وقسوة.
والقصة الثالثة من قصص الاستلاب هي “زينب” عصاة الشيخ المعلم في الكتاب، والقصص الثلاثة لها دلالاتها الواضحة دون خطابية أو مباشرة وفي سرد منضبط وواقعي ومكثف.
في “ضحكات مكتومة” تأريخ لمرحلة سابقة تعاملنا مع الكمبيوتر والشات في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، والتي تطورت الآن هذه العملية عبر الهواتف، بعد أن كانت تنتهك فيها الخصوصية عبر السايبرات، كالفتاة التي كانت تكلم خطيبها في السايبر، في مكان قصي بجوار السارد العليم الذي كان يتلصص عليها.
وفي الختام، تأتي قصة “لعبة دومينو” في منتهى العذوبة والجمال تضج بالحياة والإنسانية في نائل الشخصية المثيرة للضجيج في المقهى، في لعب الدومينو وفي مشاهدة المباريات، حيث يندب حظ الجماهير بالمدرب المريب، يحاول أن يضحك زبائن المقهى الشعبي لكنه قلما نجح في ذلك، ولا أحد يهتم بحديثه غير زوجته التي يناديها مداعبًا إياها “يا جعفر”، زوجته التي طلقها لأنهما لا ينجبان، ولنبله لم يخبرها بأنها السبب، ولما عرفت بعد الطلاق حاولت أن تعود إليه، كما حاولت معه والدته في حوار غاية في البراعة.
يمدد قدميه على السرير، يلتحف بغطاء ثقيل يحفظه من برودة ديسمبر، يغمض عينيه بعد أن غادرت أمه الغرفة حزينة وهو يتمتم “وحشتيني أوي يا جعفر”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى