
أكد الشاعر «فهد عيدان الزهراني»، أحد شعراء العرضة الجنوبية في منطقة الباحة، أن الساحة الشعبية بحاجة إلى تنظيم يحفظ أصالة التراث بعيداً عن المصالح الشخصية والممارسات السلبية، مشدداً على أن بعض التصرفات مثل الضغط على أصحاب الحفلات لإقصاء شعراء أو فرض أسماء بعينها تعد إساءة مرفوضة.
وأضاف «الزهراني» أن نجاح الحفلات يكمن في التنظيم المباشر مع الشعراء وفرق الزير بعيداً عن الوسطاء أو الحسابات الشخصية، موضحاً أن وضوح الدعوات يقلل المشكلات ويضمن الاحترافية.
وأشار إلى أن بعض الشعراء أصبحوا يلهثون وراء المال أو كثرة الظهور على حساب جودة القصيدة، وأن تكرار حضورهم جعل بعض نصوص قصائهم مملة، مؤكداً أن الشهرة الحقيقية تقاس بقوة النص لا بعدد الحفلات.
جاء ذلك خلال حوار خاص مع «صحيفة مكة الإلكترونية»، استعرض فيه الشاعر «فهد عيدان الزهراني» عن رؤيته لساحة العرضة الجنوبية، متحدثاً عن مواقفه ورسائله وحلول لإعادة ضبط الساحة… فإلى نص الحوار:
1_ متى اكتشفت موهبتك الشعرية؟ وما أول بيت كتبته في العرضة؟
اكتشفت موهبتي الشعرية عام 1417هـ، ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلتي مع الكلمة والوزن واللحن. أما أول بيت كتبته في العرضة فلا أذكره تحديداً، لكنه كان الشرارة الأولى التي دفعتني للاستمرار. والبدايات تبقى عالقة بالذاكرة كإحساس أكثر من كونها تفاصيل مكتوبة.
2_ من أول شاعر أثر فيك شعرياً؟ وكيف انعكس ذلك على أسلوبك؟
أول من أثر فيني شعرياً هو والدي – أطال الله في عمره – فقد كان أسلوبه يتسم بالقوة والجزالة والحبك المتقن، وقد انعكس ذلك على مسيرتي إلى حد بعيد، إذ تعلمت منه أن القصيدة ليست مجرد كلمات، بل بناء متين يحمل المعنى والرسالة.
3_ هل تلقيت دعماً في بداياتك؟ أم واجهت صعوبات في دخول الميدان؟
نعم، تلقيت دعماً ساعدني على تجاوز الكثير من الصعوبات التي كانت حاضرة في الميدان، والتحديات موجودة في كل مجال من مجالات الحياة، لكن بالدعم والثقة تتجاوز العقبات.
4_ هل ندمت يوماً على قصيدة قلتها، وشعرت لاحقاً أنها لا تمثلك؟
بالفعل ندمت على بعض القصائد، خاصة تلك التي مدحت أشخاصاً لم يكونوا يستحقون المدح أساساً، كما أن هناك قصيدة واحدة فقط شعرت أنها لم تكن بمستوى يليق بي، وكان ندمي عليها شديداً، والشاعر الحقيقي يملك الشجاعة للاعتراف بأخطائه مثلما يفتخر بإنجازاته.
5_ ما الرسالة التي تود إيصالها عبر قصائدك ومشاركاتك في الحفلات؟
رسالتي هي تعزيز حب الوطن وغرس قيمة الانتماء إليه، والسمع والطاعة لولاة الأمر، إلى جانب التمسك بالأخلاق الحميدة، وأجمل ما يقدمه الشاعر أن يربط فنه بخدمة وطنه ومجتمعه.
6_ ما هي أكثر منطقة حظيت بكثرة عدد حفلاتك؟ ولماذا تكررت فيها؟
بفضل الله، كانت مشاركاتي مميزة في منطقتي الجنوبية والغربية، وتكرار الحفلات هناك هو توفيق من الله عز وجل، والمكان الذي يحتضن الموهبة بحب، يظل يفتح أبوابه لها باستمرار.
7_ من أكثر شاعر فقدته ساحة العرضة بسبب اعتزال أو وفاة؟
بسبب الاعتزال فقدنا الشاعرين عبدالواحد ومحمد بن ظافر، إما بسبب الوفاة، فقد خسرنا قامات شعرية كبيرة مثل: محمد بن مصلح، وهذال الشبح، وعطية السوطاني، وعيضه بن طوير، وسعيد الأصوك، وغيرهم كثير ممن يصعب حصر أسمائهم، وغياب الشعراء الكبار يخلق فجوة كبيرة تؤثر بشكل واضح على ساحة العرضة.
نعم، كانت لي مشاركتان فقط في القلطة، الأولى مع الشاعر عبدالله بن سويلم، والثانية كانت مع الشاعر صالح الغامدي، إضافة إلى مشاركات مع شعراء من بدو غامد، وشعر القلطة أبياتها قصيرة وسهلة في ظاهرها، لكنها عميقة وصعبة في معانيها، واختلاف الألوان الشعرية يكشف مدى تنوع أدوات الشاعر.
9_ هل اعتذرت عن حفلة بسبب تدني مستوى المحاورة فيها بين الشعراء؟
لا، هذا غير صحيح، والشاعر حين يدخل الميدان، فهو يدخل بروح التحدي لا بروح الانسحاب.
10_ من يتحكم فعلياً في حفلات العرضة؟ الشاعر؟ المنظم؟ أم المصالح؟
جميع ما ذكرت له دور، لكن في الغالب صاحب الحفل هو من يتحكم، وقليل من أصحاب الحفلات من ينظم حفلته بنفسه، وإدارة الحفلات تحتاج إلى توازن بين الأطراف حتى تكون ناجحة.
11_ ما الذي ينقص ساحة العرضة لتكون أكثر نضجاً واحترافية؟
ينقصها الابتعاد عن المبالغة في المدح والمهاترات، والتركيز على جودة القصيدة لا على كثرة المشاركات، ونضج القصيدة لا يقاس بالعدد، بل بعمق الكلمات والجودة.
12_ لو امتلكت صلاحية إعادة ضبط الساحة، ما أول قرار تتخذه؟
سأبعد كل شاعر يشوه تراث العرضة، وأدعم من يستحق الدعم فعلاً، وحماية التراث مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون شعرية.
13_ برأيك، هل الحفلات في خطر؛ بسبب الشيلات أم أنها ما زالت صامدة؟
لا، هي ليست مهددة بالخطر، والدليل على ذلك هو أن العرضة تمتلك جذوراً قوية تضمن لها استمراريتها، على الرغم من أي تغيرات فنية.
14_ رأيك بمن يتهم شعراء الشباب في الباحة بقلة الجودة مقارنة بعسير؟
هذا كلام غير صحيح إطلاقاً، بل أسمعه لأول مرة، ولا يمت للحقيقة بصلة، والإبداع لا يختصر في منطقة أو جيل، بل هو موهبة يوزعها الله بعدله.
15_ يقال إن هناك من يهتم بالمال والجمهور أكثر من جودة القصيدة، رأيك؟
بالتأكيد، يوجد شعراء بهذا النوع من التفكير، وبعضهم يفضل المكاسب المالية على جودة الشعر، لكن الجمهور الواعي قادر على التمييز بين من يلقي قصيدته من أجل المال، ومن يلقيها لأجل الساحة والشعر ذاته.
16_ هناك من يرى أن القصائد أصبحت مكررة ومملة.. ما السبب؟
بالفعل، يعود ذلك إلى أن بعض الشعراء يكررون تواجدهم في الحفلات، ثم يعيدون استخدام الأفكار نفسها في قصائدهم، مما يجعلها تبدو متشابهة، رغم أن الإبداع الشعري يتطلب دائماً التجديد، وإلا سيزول بريق الشاعر.
17_ الشهرة في العرضة الجنوبية تقاس بعدد الحفلات أم بقوة القصيدة؟
للأسف حالياً تقاس بكثرة الحفلات، ولو تقاس بقوة القصيدة لتغربل ثلاثة أرباع الشعراء الذين لا يملكون الجودة الكافية، والمقياس الحقيقي للشاعر هو نص قصيدته لا عدد حضوره.
18_ كيف ترد على من يقول إن العرضة تحولت لوسيلة ترفيه لا رسالة شعر؟
العرضة كانت وما زالت وسيلة حرب تحمل القوة والصلابة، وهي رسائل شعرية عميقة، وليست ترفيه كما يقال، والعرضة تعكس روح المنطقة وتراثها، لا مجرد لحظة تسلية.
من الطبيعي أن يمدح الشاعر من يستحق المدح أثناء الحفل، والشاعر الواعي لا يربط المدح بالمبلغ المادي، فالغرض من المدح هو تكريم الشخص الممدوح، والقصيدة إذا ارتبطت بالمال فقدت قيمتها، لكن إذا ارتبطت بالحق صارت وساماً للشاعر.
20_ هل نقل الحفلات عبر السنابات قلل من حضور الجمهور في الميدان؟
بالتأكيد، يمكن القول إن التقنية تحمل جوانب إيجابية وسلبية؛ فهي تمكن من تقارب المسافات، لكنها لا تعوض عن أهمية التواجد الفعلي للجمهور في الحفلات.
21_ ما أبرز الممارسات السلبية لشعراء العرضة بعيداً عن الجمهور؟
من أبرز السلوكيات السلبية أن يقوم البعض بالضغط على أصحاب الحفلات لإقصاء شعراء مدعوين أو لفرض أسماء معينة بحجة زيادة الحماس أو لاختلاف الثقافات، بينما الهدف الحقيقي هو تحقيق مصالح شخصية ضيقة، ومثل هذه التصرفات مرفوضة تماماً لدي، ومستنكرة عند كل شاعر عاقل ومحب لتراث العرضة.
22_ ما رسالتك لأصحاب الدعوات لتنظيم حفلاتهم بطريقة أفضل؟
رسالتي أن لا يسلموا زمام الأمور لشاعر أو ناقع زير أو صاحب حسابي لموقع اجتماعي أو سمسار، بل عليهم أن يوجهوا الدعوة مباشرة إلى الشعراء وفرق الزير، ويختاروا من يرونه مناسباً لحفلهم، والتنظيم الممتاز هو مفتاح النجاح، وكلما كانت الدعوات واضحة ومباشرة، كانت المشكلات في الساحة أقل.
23_ بماذا توعد جمهورك أثناء مشاركاتك في الحفلات القادمة؟
أعدهم بالشعر الحقيقي البعيد عن المحاباة والمجاملات، وأعدهم بكل ما هو جديد ومميز، والجمهور يستحق دائماً أن يلقى من الشاعر ما يليق بذائقته وثقته.
24_ ما هي فلسفتك في قصيدة جلد النمر وريش النعام؟
تكمن في مواجهة التحديات بشجاعة، مع اختيار الحكمة والمرونة في المواقف المختلفة.
إضافة إلى:
كم عزيز في حياته مهان عند مماته
وكم ذليل في حياته عزيز عند مماته
25_ ما الرسالة التي تود توجيهها للجمهور ولزملائك الشعراء في ختام هذا الحوار؟
رسالتي للجمهور أن يشجعوا الشعر أولاً قبل الشاعر، وألا يكونوا أداةً لغيرهم، مع ضرورة تجنب التعليقات السلبية في وسائل التواصل الاجتماعي حفاظاً على الذوق العام والبعد عن التجريح والغيبة.
أما للشعراء، فأدعوهم إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة في تعاملهم مع أصحاب الحفلات سراً وعلناً، والوفاء بالوعود، والابتعاد عن الانتصار للذات على حساب قطع أرزاق الآخرين، مع الحرص على الابتكار والتجديد في الكلمة والمعنى بما يرفع من قيمة الشعر.






