المحلية

بقل الربيع

بقل الربيع

التنوع الثقافي في طرح الموضوعات فاكهة تناسب كل المواسم، وحيث الوسم على الأبواب كان هذا العنوان لمقاربة مناسبة الزمن:
قومٌ إذا نبتَ الربيعُ لهم نبتتْ عداوتُهم مع البقلِ
والبقل سمته اللين والخضرة ظاهرة فيه، وكذلك الجدة والانهمار؛ فأما الجدة فهي الطراوة، وأما الانهمار فهو انعصار الشيء بكثافة، ومنه انهمار السحب ويقال: أبقلت السحابة؛ أي انهمرت، والبقل: مارقّ واستجدّ من الألبان بعد أن تتيبّس، وهو الوارد في السنة باسم الإقط، وهو حليب نبات من الغيث، أما المقصود بنبتت عداوتهم مع البقل المذكورة في البيت، فهو تحاسدهم على المرعى، وإثارة الشيطان نعراتهم ، وبعد أن كان الجدب موهنًا للعزائم وكاسرًا حدة الشيطان فلم يحمدوا الله على ما أجاد به وكسا الأرض خضرة ونضرة، والمولى ضامن للرزق متكفل به وقد قال: “وما من دابة إلا على الله رزقها” ولذلك عبر المولى سبحانه بقوله :”كلا إنّ الإنسان ليطغى، إن رآه استغنى” فقد أنساه الغنى الشكر والذكر وأراد أن يستحوذ على خير الله ويستبعد بعض خلقه عنه. هذا جوهر الصورة مثلما صورت في هذا القالب الذي يخفي بجماله ما تحمله الصورة من فضاعة ما وراءها، والشعر يتركز في بناء الصورة المجنحة التي لا تأبى عما تريد إيصاله وحمله من حكاية وتخيل في أفقية السرد الزمنكاني التي تناسب الدراما التمثيلية وكل على قدر بلاغته التفاعلية معها:
ومن هابَ أسبابَ المنايا ينلْنَه ولو نالَ أسبابَ السماءِ بسُلََّمِ
وأسباب السماء لا رادّ لها إلا بلطف من مقدرها، ولكن أسباب التلافي في السلوك الإنساني الراشد لها مواردها لمن أحسن الإيراد والإصدار تقايضًا وتفاوضًا، وقائل هذا البيت هو الذي قال البيت الآخر:
ومهما تكنْ عندَ امرئٍ من خليقةٍ وإن خالها تخفى على الناسِ تُعلَمِ
أي أن هناك فرقًا بين من سريرته خيرًا تظهر على محياه وتشع ونورها يغمر الآخرين، ومن لديه إحياء بعكسها فتنفر منه النفوس ويحصل الشر المقبوس:
وقدْ عَلِمَ الأقوامُ لو أنّ حاتمًا أرادَ ثراءَ المالِ أمسى له وفرُ
إذن علِم الأقوام بعيدهم وقريبهم الكرم المباين للبخل:
ألبانُ إبلٍ تَعِلَّة بن مسُافرٍ مادام يملكها عليَّ حرامُ
فالتحريم يخص صنيعة طبع مالك الإبل:
إنَّي امرؤٌ عافي إنائي شركةٌ وأنت امرؤٌ عافي إنائِك واحدُ
وهذا سيد من أسياد الصعاليك على قلة ما لديه وبؤس الحالة، هيّن ليّن، يحنّ ولا يمنّ، وقد صرّح بما لم يسبق إليه تفانيًا وواجبا أن يُجعل شعاراً للأمم ويحث عليه أهل الذمم من يستمع إليهم، قال:
أقسِّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ أحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ
فأي مقابلة بين الفريقين أكثر تمايزًا، وتشايزًا بين من يؤثرون على أنفسهم، ومن يضيق بهم الفضاء المتسع وتنبت عداوتهم مع إبقال ما جاد به غيث المولى في فضاء رحب يسع الجميع، ولكن ضاقت به نفوسٌ عميت بصيرتها. فمن هنا يكون الشعر مستودع التراث ومشعرًا لمن فقد الشعور حين يُستنطق من يستجيدون استنطاقه وتوظيفه في نطاقه:
فلمّا سقيناها العَكيسَ تملَّأتْ مذاخِرُها وازداد رشحًا وريدُها.

آمل أن تكون سقيًا رويّة منشورة في صحيفة مكة المكرمة الإلكترونية للنخبة من القراء.

حرره:
تركي بن شجاع بن تركي الخريم
باحث يهتم بالتراث الجغرافي والقبائل.

Turki11_88 @

هاني قفاص

تربوي - اعلامي مكة المكرمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى