عام

اندثار مدرجات الحِنْطَه

سلام أيتها السفوح التي كانت مليئة بالمدرجات الخضراء
سلام عليك وعلى من اشاد على سفوحك مدرجات الحنطة والشعير ، وعمّرها وبذل الجهد والعرق في جنباتها ، حتى غدت تموج بسنابل العطاء والرزق الوفير
سلام على من أسس عمليا على مدرجاتك [نظرية الأمن الغذائي ] واقعا ملموسا يشبع البطون ويمتع العيون ببهجة ناظرة ، نموذجا حيا تبعته كل جهود ونظريات تأمين الغذاء
يا أيتها المدرجات الخضراء هل لي ان اتساءل :
من كان وراء اندثارك وزوال رواءك وبهجتك وخيراتك ..؟
اين ذهب الذين احبوك واشادوك وبادلوك الشغف والعشق والعطاء..؟؟
أينهم وأين تولوا .؟
ولم غادروك وتركوك نهبا للجفاف وللأحزان وللألام والاِهمال والاِندثار .؟
عفوا أيها المدرجات .!!
اسمحي لي ان اقف واقتعد مكانا في طرفك وابثك حزني ولوعتي..
وهل يفيدك لو وهبتك كل عذر وكل اسف سكبت على ثراك كل احزاني ..؟؟
هل يغير الأسى والحزن شيء من احوالك ..؟؟
نعم ايتها المدرجات اِن حزني سيبقى حزن ومشاعر فقط ، فقد نالك منا الكثير من التجني والعقوق والاهمال
ولكن [ ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها ..!! ] فدعيني _على الاقل _ ابثك وجدي وكمدي .
وأرجوك ان تترفقي بحالي ايتها المدرجات..!!

“مهلاً فما أَنت كَدَمْع جَرَى
وَرَاقَ بل أَنتَ دِمَاءٌ تراق”
مهلا ودعيني اسكب العبرات ، فقد تشربتها من عبرات المنفلوطي وتشربتها من [الدكاترة] زكي مبارك عندما بكى [ ليلى المريضة في العراق ] ، وتشربتها من وقوف كثير من شعراء العربية للبكاء على الاطلال حتى اصبحت فينا عادة عربية اصيلة نتوارثها.
انني عبثا احاول ان أجد لنفسي عذرا او مبررا وانا اقف على ثراك خجلا منكس الراس ابكيك واستبكيك ..
وما جيئت اليك أيتها المدرجات امثل الحزن وأدعيه عبثا ..
معاذ الله ..
ولكني تذكرت ماضيك الجميل الذي أضعناه وبأيدينا هدمناه
تذكترتك يوم كنت [ سلة غذاء مكة المكرمة وماحولها ، يوم كان اسلافي يحملون معهم خيراتك من حبوب وزبيب ولوز على ظهور جمالهم الى بلد الله الحرام في مواسم الحج والعمرة فيعم خيرهم وبركتهم تلك البقعة المقدسة
يوم كان اهل الحرم يتباشرون بمقدمهم وهم يحملون الارزاق اليهم
تذكرت تاريخك الطويل عبر مئات السنين ودعيني _ واثقا ابالغ – فاقول : الاف السنين فقد كان اباؤنا يجيبوننا عندما نسألهم عن عمرك ومن عدنك ومن بناك .؟
ومن اول من رزعك وحصدك .؟ ،
فيقولون انك من زمن العماليق والهلاليين ولا يعرفون عن سابق عهدك الا القليل ..
تذكرت تاريخك الموغل في اعماق الزمان فجئتك لا لأمد يدا اليك لتنتشلك مما انت فيه فذلك فوق طاقتي ودون ذلك ” خرط القتاد ”
حالك هذا كلنا شارك فيه ، كل فرد في هذه القرى كان يسابق الاخر في هدمك وازالتك وتغيير وظيفتك ، لم يعد لدينا من شغف اهلنا وحبهم نحوك شيء .
فاسمحي لي ان امارس امامك شيء من اصالتنا وعاداتنا فاقف ابكيك واندبك واذرف على ثراك دموعي وافرغ على اعتابك مكنوني من الألم وشيء من االاحزان.
اعلم انك ستسخرين من كل هذا الأنين ولن تصدقين ، وما انت فيه من الزوال والاندثار لن تعيده الدموع ولو كثر انسكابها ولن تعيده اهات حرى ولو احرقت مصدرها .
عفوا ايتها المدرجات المندثرة .!!
إن أولئك الأباء الأولون ماتركوك عقوقا ولاجحودا ولا كرها وانت تعرفين حقا انهم كانو يبذلون مهجهم فداءاََ لك
أولئك غادروك لأن أجالهم قد حانت واعمارهم قد انتهت فقضوا نحبهم _ بقدرة الله _ وقد تركوك وانت عامرة مخضرة ، وانت زاهية وفخورة بهم وبما أنبتيه من “زروع ومقام كريم ”
اولئك غادروك وقلوبهم معبأة بحبك وافئدتهم معلقة بك حتى الثمالة ، وقد كنت مأوى افئدتهم اذ يغدون اليك ويجيئون ، ومنك الى بيوتهم يروحون ثم مايلبثون ان يعودوا اليك مع كل اشراقة شمس وعند كل غروب ، كانو الي ترابك وزراعتك وجدرانك يحنون ، والى اطرافك وحواشيك يسرعون لممارسة العشق والشغف مع كل مكوناتك من ثمر ومدر ، كانوا يمارسون معك ويسطرون اجمل قصص الوفاء والوله والإخلاص والتعلق والكدح والعمل ، يزيلون من اطرافك كل ما علق بك من اشواك ونباتات وشجيرات ، وبثيرانهم وحميرهم اليك يتوجهون ليحرثونك ويزرعونك ويقلبو تربتك فيمشون فوقها بعناية واهتمام متتبعين [ لومة ] محراث تجره ثيرانهم فيلتقطون ما تقتلعه المحاريث من [ نجمة ] نجيل تحاول عبثا ان تبذل اقصى مالديها من حيلة لتغرس جذورها منافسة جنبا الى جنب مع جذور حنطتك او شعيرك او بلسنك [ عدسك ] وهيهات ان يعطو النجيل فرصة لتواجدها او تواجد غيرها لاِيذا ما يحبون أن يزرعوه على ترابك ، هولاء الذين كانت تربطهم بك وتربطك بهم أواصر قوية متبادلة ، وكانو يأبون ان ينبت عليك الا مايزرعون .
لقد غادروك بعد أن أدوا مهمتهم وواجبهم نحوك بكل اخلاص ، وكانوا في الحفاظ عليك يقاسون ويشقون ومع ذلك كانوا يتمسكون بك وكانوا حريصين على الحفاظ عليك طوال حياتهم وغادروك وانت عامرة وهم امنين مطمئنين .
فجاء من جاء بعدهم وهم لايقيمون لمدرجاتك وزنا ولا تعني لهم شيئا فتساقطت جدرانك وكثرت بها [ الثلم ] وانجرفت تربتك وانمحت معالمك وغدت أثرا بعد عين ، ولم يعد منهم أحد يمر عليها ، أو يهتم بها ، وتركوني اتساءل :
اين الذين كانو يأتون ليحرثون ويدمسون [ ويشرّفون ] يعلون اطرافهابمزيد من الطين كي يستقر بها ماء المطر حين يهطل فيروي زراعتها ويملأها بماءه المنهمر..؟؟
تخلو عنك وابتعدو فتخلى عنك ماء المطر وتسرب من فوق جدرانك وذهب بعيدا هدرا وعبثا ، واصبح لسان حاله يقول :
اين الحنطة التي استقر عندها لاسقيها ..؟
وأين الزروع التي جئت لاروائها. ؟
وها انا ذا أجئ لاغادر الى الصحارى البعيدة غضبان أسفا ، فلم تعد المدرجات مستقري ولا مخازني ، قد اهملوني وأضاعوني وأي مطر اضاعوا ..!!
لقد أضاعوا كل ما جلبت لهم سحب وغيوم ارسلها الله لهم غدقا.
وحتى أساميها وحدودها نسيوها وماعادو يعرفونها ولا يعرفون مدرجات من هذه التي تجاور مدرجاتهم وأهملو وفرطوا في كل ماورّث أباؤهم لهم من هذه الثروة الوطنيه.
اصبح كل مدرج يسقط احجار جدرانه وطينه على المدرج الأسفل
الركبان تئن وتتوجع وتصرخ وتنادي وتستغيث وتدعوالأحياء للعودة
” لقد اسمعت لو ناديت حياََ **
ولكن لاحياة لمن تنادي
انهم بالتأكيد أحياء
ولكنهم احياء شبه اموات
تصرخ المدرجات بأعلى صوتها
و تقول :
ان المصائب لا تأتي فرادى ،
اهمالي واندثاري هو بدايةالمصائب وليست نهايتها
اصبحتم بلا امن غذاءي بتجاهلكم واهمالكم وابتعادكم عني
واصبح رغيف خبزكم يأتيكم من بعيد
بطعم ولون غريب لا يشبه لون حنطتي ولاطعمها ولا لذتها
ايها الهاربون مني وعني
ايها العاقون والجاحدون والمنكرون لي
واأسفاه على مافعلتم بي
واأسفاه على سوء مافعلتم بي
لقد فقدت ببعدكم حبا كان يملؤ جنباتي ورحابي وفقدت ببينكم فقدين
فقد احبائ الأوائل وفقدكم ، وفقد عطائي لكم
وفقد من كنت أنس بهم حين اصبح وفي ظهيرتي وعشيتي ومساءي .
افتقدت نسوة كن بامحاشهن ينقونني من تطفل اعشاب تزاحم حنطتي ،
افتقدت نسوة وصبايا كالاقمار وفي عمر الزهور يعصفن رؤوس حنطتي لحثي على نمو ابهى وازهى
افتقدت من كان [ يبشر ] يزيل ماتسلل مع الامطار او برز من باطني من احجار ، افتقدت [ الخلاّيات] وهن ينقين من بين عيدان حنطتي كل عشب كان يزاحمني ويقلل من بركة نموي وتكاثري وجودتي
انني هبة الله الغالية الثمينة لكم ،فكيف طاوعتكم انفسكم وبِنْتم عني.؟
ايها المبتعدون عني
لقد خسرتم بابتعادكم _ اعلمتم ام لم تعلمو _ اكثر مما تتصورون وفقدتم الكثير من فوائدي وحتى محبتي لكم
حتى الماء الذي كنت اختزنه وأغذي به أباركم حد الامتلأ المترع خسرتموه
فجفت أباركم او كادت ان تجف اما اشجاركم المثمرة وغير المثمرة التي كنتم تتعاطون من ثمارها واخشابها فقد ماتت حزنا على فراقكم وعلى فقد احبابي ومن كانوا يعاودونني للحرث او التفقد او الحصاد
افتقدت من كانو يذكرون الله عند ممارسة كافة اشغالهم فوق تربتي
كان ذكر الله ملازم لغدوهم ورواحهم
حتى كلمات اهازيجهم كنت اطرب لها واستمتع بها كما كانو ينشطون بها وتنشط بها ثيرانهم وهم يحدونها لشحذ هممها وتنشيط حركتها وهي تجر محراث او مدمسة عند الحرث والدمس
[ ياالله اليوم ياربي
يالذي ماانحن الابه
يالذي تنبت الحب
يابسا يوم نذرابه ] وما احلى من اهازيجهم الا اهازيج صباياهم وهن يتسابقن لحصد ما ابدع الخالق واخرج من بطني من اطايب الثمار
كانوا يغنون فرحا بلذة الحصاد
[ ولا يمه من اللاش
ولا لي به ولا ابغيه
ولا ابغي لمحة فيه
يموت الجفر عنده
ولا يقدر يذكيه ] ايها الهاربون مني ..!!
لقد اغتلتم بهروبكم مني كل المعاني الجميله
واغتلتم كل دواعي الامن والراحة النفسية التي كنتم تجدونها عند ممارستكم العمل في جنباتي
والله لقد نبا بكم الدهر
وثقلت عليكم الحياة
وقست قلوبكم عليّ
وفارقتموني مع سبق الاصرار والترصد
وقد ظهرت بوادر ذلك عندما كنتم تتهربون من مشاركة ابائكم وامهاتكم العمل معهم في اعمالهم في الحقول ومزارع القمح والذرة
كان اكثريتكم يأنفون ويستعلون عن العمل في حرثي وحصادي ، كان بعضكم يقول:
” شراء كيس من الحب الاسترالي ارخص واسهل مما تنتجه هذه الارض ”
فبدلا من العمل في بلادنا لنستخرج منها ونمير اهلنا من طيب منتجانها
اصبحنا عالة على ماتحمله لنا بعض السفن القامة من أعالي البحار .
عذرا ايتها المدرجات المتهدمة
لقد اضعناك بايدينا واضعنا خيراتك واصبحنا نأكل وغيرنا يزرع ليبيع لنا فيربح ونحن نخسر
وحتى مساجد صلاة الاستسقاء التي كنا نغدو اليها خارج قرانا لنسأل الله ان يغيثنا عندما يتأخر القطر هجرت واندثرت وربما حل فوقها كتلة خرسانية كتمت انفاسها ،
مدرجاتنا اليوم زرعت بكتل خرسانية ودفنت تحتها جذور الحنطة وحتى سنابلها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى